بداية فإن خطبة الجمعة هي يوم حشد واجتماع للمسلمين ويشكل مظهرا حضاريا وثقافيا وعلميا تميزت به امة الاسلام عبر تاريخيها المجيد والطويل . ولقد افرز لنا تاريخ الاسلام العظيم نخبة من كرام الخطباء لا زال التاريخ يذكرهم ولعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان اعظم خطيب ، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما( ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش صبحكم ومساكم) .ان واقع امة الاسلام اليوم يحتم عليها ان تستفيد من خطبة الجمعة في توجيه الاجيال ورفع درجة الثقافة والوعي لدى الناس ومناقشة وعلاج كل ما يدور على ارض الواقع وربطه بالناحية الشرعية ، ثم الحديث عما يهم المسلم في حياته كلها من النواحي الدينية والدنيوية .
لقد أبدع خطباء كرام طوال فترة الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين في تحريك القلوب وبعث الثقة في النفوس وفي تثقيف الامة وترشيد نهضتها ودعم كيانها المادي والادبي ، لقد تحدث الخطباء في معظم المناسبات عن الظلم الذي لحق الشعب الفلسطيني جراء الاحتلال وتنكر العالم لحقوقه الثابتة والمشروعة . لقد رحل الناس الى مساجد كثيرة يستمعون وينهلون ويتزودون ايمانا وفقها وفكرا ووطنية وثباتا واندفاعا ويخرجون من بيوت الله وهم اشد ايمانا بحقهم الثابت الذي لا يتزعزع ، فكم من الثورات حركتها المساجد وكم من المناسبات احياها الخطباء وكم من الاحداث الهامة والخطيرة وقد انطلقت شرارتها من بيوت الله فدفع رجال الامة العظام والخطباء الكرام ثمن ذلك سجناً وابعاداً واستشهاداً والمقام لا يسع هنا لذكر هؤلاء الكرام فحسبهم ان الله يذكرهم .لقد جاء زمن تفنن فيه اصحابه والقائمون على امر الناس فيه في قهر الناس وايذائهم واهانتهم ماديا وجسديا ونفسيا حتى اصبحت الكلمة يدفع اصحابها ثمنها غاليا من اعز ما يملكون . ان اخطر ما في الامر هو بدعة توحيد مساجد فلسطين كلها على خطبة واحدة ويا ليت الامر وقف عند العناوين وانما تعدى ذلك الى التفاصيل حتى الى ذكر الآيات والاحاديث في الموضوع وتوعد الوزير الائمة الخطباء بالويل والثبور وعظائم الامور ان هم حادوا عن النقاط المرسومة والافكار المفروضة بل لقد زرع المخبرون والمندوبون في المساجد ليتأكدوا مدى التزام الخطباء بما رسم لهم وما فرض عليهم من خطب جاهزة ( ومعلبه).
ان شعبنا الفلسطيني الذي تعود على الحرية وتعود على سماع الجديد في كل جمعة يكاد ان يصدم بل يكاد ان ينفجر غيظا وقهرا واشمئزازا عند ما تكون الخطبة من اريحا حتى جنين ومن قلقيلة حتى اخر قرية في الوطن واحدة وتختار موضوعا واحدا متكررا او مواضيع مترادفة تدور بين المدح والشتم اما مدح للقيادة الصامدة على ثغرة المفاوضات المصرة على (تجميد الاستيطان )والثابتة على التمسك بالثوابت وأي ثوابت...؟ ...وإما على شتم القرضاوي وسب الجزيرة ومهاجمة حماس التي ( تعطل) المصالحة. وخلاف ذلك يدور حول نفس المضامين لا تحيد عنها ولا تغير ولا تبدل . لقد ابدع خطباؤنا يوم كانوا يمتلكون حريتهم في حل اشكالات الناس بالطرق الشرعية فكم من باب شر اغلق وكم من دم تم حقنه وكم من خلاف مزمنٍ تم حسمه وكم ..وكم ؟ كل ذلك في خطبة الجمعة .
ان العالم العربي اليوم يغلي ومعه شعوب الامة كلها وهو على فوهة بركان يتهيأ للانفجار وقد بدأ، فمصر كلها تعيش نشوة الانتصار ولا زالت الملايين لم تبارح الميادين ولا زالت كلمة الثوار هي الكلمة ورايهم هو الراي .. وها هي تونس لم يبارح ثوارها الشوارع حتى فرضت ثورتها ما تريد بعد ان اقتلعت جلاديها من جذورهم وها هم ثوار ليبيا يفتحونها حصنا حصنا ومدينة مدينة وقرية قرية وها هم على ابواب طرابلس يطرقونها طرقا وها هم حكامها المهوسون المخبولون المتخلفون يستعدون للرحيل . ان صناء وعمان وبغداد والمنامة وحتى مسقط كلها وغيرها حواضر تغلي وحكامها على وشك حزم امتعتهم ولا زال وزيرنا يطلب من الخطباء الحديث عن ثبات قيادتنا في المفاوضات ويطلب من الأئمة الدعاء لولي امرنا وفي الخطبة الثانية بشتم الجزيرة والقرضاوي ومهاجمة الرافضين لنداء الصلح ولم الشمل فالصلح سيد الاحكام .
تخيل ان خطيب الجمعة في ميدان التحرير في مصر او في ميدان اللؤلؤة في البحرين او في ميدان الشهداء في صنعاء او في غيرها من الميادين الملتهبة قد خطب في الناس عن ضرورة احترام الحاكم او عن ضرورة ذهاب الناس الى بيوتهم لان ما يقومون به انما هو فتنة او عن تحميلهم مسؤولية الاحداث الحاصلة ماذا سيكون الرد وكيف تكون النتيجة ؟!
ان وضعنا في فلسطين اكثر خطورة وتحديا وثورة والتهابا عما هو الوضع في ميدان التحرير وكل الميادين ، فنحن في بؤرة الحدث، في قلب الفرن ، في وسط النار ومركز دائرة الصراع ، ثم يطلب من الخطباء ان يتحدثوا عن الايجابية في حياة الانسان . ان كافة وسائل الاعلام والاذاعات والجرائد والفضائيات فضلا عن المساجد في الكون كله لا شغل لها اليوم إلا ما يجري في مصر وتونس وليبا واليمن وغيرها إلا في الضفة الغربية فقناة فلسطين في واد والكرة الارضية كلها في واد اخر ، وخطباء المساجد في واد والناس في واد اخر بل والوزير ومعه وزارة الاوقاف في واد وكل المعمورة في واد بل في كوكب اخر . ان خطبة الجمعة يا معالي الوزير يجتمع لها الوان شتى من الناس من مختلف الثقافات ولذلك يجب ان يتوفر في خطبة الجمعة كل العناصر التي تعالج مشاكل وهموم هؤلاء او على الاقل احترام عقولهم وأذواقهم وافهامهم وعلمهم ، بل واحترام الخطيب نفسه ، فليس من الفقه ان يلزم خطيب الجمعة التحدث عن موضوع يختاره الوزير لكل المدن والقرى والمخيمات والخرب في وقت مات فيه في بعض هذه الاماكن احد كبار وجهائها ومحسنيها ولا يذكر ذلك بكلمه ، وليس من الفقه ان يلزم الخطباء بالحديث مثلا عن احترام الاسلام للعامل في وقت توجد في البلد او القرية فتنة سالت معها الدماء فلا يتحدث الخطيب بشيء من ذلك وليس من الحكمة والبلد تعيش حالة انقسام ويطلب من الخطيب مهاجمة بعض الافكار في الساحة او لمز بعض الشخصيات واذا تم الحديث عن الانقسام يكون الانحياز لطرف دون طرف ، وليس من الانصاف وحالات القمع ومنع حرية الكلمة وامتهان حقوق الانسان والمطاردة والاعتقال الا يذكر ذلك بشيء لا من قريب ولا من بعيد وإذا ذكر ولو من باب التلميح فإن ذلك فتنة بل وزندقةً وربما ثورة ومحاولة انقلاب ..! لقد نسى السيد الوزير ان مجتمعنا الفلسطيني متعدد الاطياف السياسية وأن فرض هذا النمط من الخطب هو الذي يوغر النفوس ويعمق الانقسام ويدخل الفتنة من اوسع ابوابها الى بيوت الله عز وجل.
ان الزام الخطباء بإلقاء خطبة موحدة والزام الناس بالاستماع الى ما يريده الوزير من شأنه ان يزيد الساحة احتقاناً وتعقيدا وان هذه الخطوة انما هي اهانة لخطباء المساجد والذين يجب ان يكون دورهم في ابداع الحلول لا خلق المشاكل في بيوت الله ، كما هو امتهان للمستمع ولجمهور الناس الذي ما تعود على هذا الاسلوب الفج في الخطاب ولعل ما حصل في بعض المساجد من ردات فعل ردا على خطباء استجابوا لرغبات الوزير مما احدث فتناً في المساجد وإبطال صلوات الناس لدرجة ان بعض الناس قال على الملأ سوف لن اصلي الجمعة بعد اليوم انما هو اثم يتحمل مسؤوليته الذي وضع هذا القانون المثير للسخط وعلى راسهم وزير الاوقاف شخصيا ، لقد كان الهدف من ذلك حسب زعمهم هو منع تسييس المنابر لجهة ما وإذا بهم يقعون في تمييع المنابر وخطب الجمعة بل وفي تمييع بعض الخطباء وتسييس المنابر والخطب لصالح جهات أخرى ، وإني إذ ادعو وفي ظل هذا الوضع الثائر للامة الى الغاء ووقف هذه الاهانة وفتح المجال لكلمة الحق على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق الضوابط الشرعية بكل حرية بعيدا على الضغوط والمراقبة والتوجيه من خلال نهج اسلامي شرعي صادق بعيدا عن الاهواء وقبل ان تتطور الامور الى ما لا تحمد عقباه . وانى لا اخفى سراً اذا قلت ان خطوات وزير الاوقاف المتلاحقة بخصوص المساجد من موضوع قراءة القران والاذان وتوحيد الخطب والزام الائمة بخطبة واحدة في مساجد الضفة الغربية يلقى انتقادا واسعا من كافة الاطياف في الساحة الفلسطينية وحتى من الفئات التي يحرص السيد الوزير على ارضائها والتزلف اليها . ان اعداداً من كرام الأئمة قد احالوا انفسهم على التقاعد لأنه حيل بينهم وبين قول ما يريدون من الحق . واخيرا يجب ان يعلم الجميع ان خطبة الجمعة انما هي امر ديني شرعي فلا يحل العبث به ارضاءً لأية جهة كانت فان الله يسمع ويرى وهو على كل شيء رقيب .


