لقد جعل الإسلام للكلام فلسفة خاصة هذه الفلسفة تنطلق من علاقة المؤمن بخالقه سبحانه وتعالى عنوانها ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ) قولاً سديداً مع جميع الناس مسلمهم وفاجرهم إلا في مواطن خاصة عندما تصل درجة استفزاز المؤمن في إيمانه وعقيدته درجة لا يمكن معها إلا الرد وبنفس الأسلوب شرط ألا يخرج ذلك عن الملة) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم )، ولعل في رد سيدنا أبي بكر على عروة بن مسعود الثقفى مندوحة.
وهو الذي وصف أصحاب النبي الذين هم معه بأنهم سرعان ما يفرون وينهزمون ،عند ذلك استشاط الرجل الهين اللين سيدنا أبا بكر غضباً فرد على الرجل بشتيمة غاية في الإيذاء أخرست معها لسانه وأربكت أركانه ، كل ذلك والرسول الكريم يحضر المشهد ولم يعترض أبا بكر رضي الله عنه. إن موازين الخطاب الشرعي التي حددها الإسلام إنما جاءت لإبراز عظمة هذا الدين وطهارة هذه الرسالة، لكن إذا انبرى بعض المسلمين للرد على جهلة الكفار والمنافقين بنفس أسلوبهم فيقدر لذلك قدره على ألا يكون عادة وديدنا. إن الشارع الحكيم الذي أمر بكف اللسان فيما يؤذي المشاعر ويخدش الإيمان والحياء هو نفس الشارع الذي قال ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) وقد يكون اللسان إحدى أدوات هذه الغلظة ولكن وفق الشروط الشرعية ....
أليست الفضائيات والإذاعات وسائل لسانية يمكن استغلالها في الرد على المرجفين ودحض حججهم بل وهزيمتهم فكرياً؟ أو ليست الحرب الإعلامية هي مقدمة للحروب العسكرية؟ وغالباً فإن المنتصر إعلامياً يكون منتصراً عسكرياً. إن المسلم اليوم وقد سلبت منه أدوات دفاعه عن نفسه يملك لسان حق أحد وأمضى من السنان، بل وأشد إيلاماً من الكثير من الأدوات المادية الأخرى. إن الباطل الذي لم يتعود على الحرب الإعلامية مع الحق، وتعود دائماً أن يكون هو الأعلى في كل شيء، فينظر فيرى أن الحق قد ارتفع صوته في إبراز مساوئ هذا الباطل فيهيج ويضطرب ويخبط خبط عشواء فتراه يقيم الدنيا ولا يقعدها ذلك لأن بنيانه هش وقواعده ليست على أساس.
لقد رأينا النبي الكريم عليه السلام وهو يخوض مع الكفار معركة الفكرة والكلمة وكان شعر حسان أشد عليهم من كل أدوات الحرب فكان عليه السلام يسر بذلك سروراً عظيماً ويحرض حسان قائلاً : اهجهم وروح القدس فداك !!
إن الإسلام العظيم لم يغلق أبواب الفكر والاجتهاد على أتباعه ، وذلك احتراماً لعقل الداعية وإكراماً لفكره، ورغم ذلك حدد الإسلام أي اجتهاد برباط الشرع.
نستمع لكثير من خطابات السياسيين وأصحاب الشأن المناهضين للفكرة الإسلامية فلا نلمس في خطاباتهم إلا الكلام الممجوج والإيذاء وحتى الشتم للأفراد والقيادات، هذه الخطابات التي تتنافى مع ما ألفه الناس من سمات الخطاب الجماهيري فتثير الاشمئزاز في نفوس الناس وسرعان ما تنعكس على هذا المتحامل أو المتحدث الذي لم يتقن إلا فن الشتم.
إن الانتصار للذات في الخطاب أو الحديث أو حتى الكتابة السياسية لمجرد الانتصار للذات إنما هو سمة مرضية بحاجة إلى علاج سريع، حتى إذا استفحلت فإنها تودي بصاحبها إلى ما لا يحمد عقباه على المستوى الشخصي، ولذلك فإن على أبناء الحركة الإسلامية اليوم عدم الانجرار إلى لغة الخصم والمعاملة بالمثل لأن معنى ذلك أن يكون الجميع في مربع واحد ولا فرق (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً)
إن انتصارنا لديننا ولفكرتنا هو رأس مالنا، دفعنا في مقابل هذا الانتصار العديد من الشهداء من خيرة الخيرة، وهل كان سيد قطب وإخوانه إلا شهداء كلمة وفكرة، وهل كان الرنتيسي وإخوانه إلا شهداء موقف، وقائمة شهداء الفكرة والموقف والكلمة تطول وتطول مما يجعل الحركة الإسلامية هي الرائدة في الدفاع عن الفكر وحرية الكلمة مهما كان الثمن.
ولذلك كان من فقه النبي – عليه السلام – في الفتن : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك ) ، أمسك عليك لسانك عند الفتن إلا من ذكر وتسبيح وقول حق فيما يرضي الخالق ويثبت المخلوق.
لقد اشتهرت في بغداد مدرسة فريدة من نوعها هي مدرسة الصمت ، والتي كان إمامها أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة ، والتي كان عنوانها حديث المصطفى عليه السلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، إلا أن هذا الإمام الصامت كان صخرةً صلبةً وصوتاً مجلجلاً يزأر في الدفاع عن السنة حتى ذاق الويلات، فقد ورد في بعض الأخبار أن أحمد بن حنبل كان يضرب على كل وجبة ألف سوط، فبصمته أسس لنا فهماً خاصاً متى يكون الصمت، وبصوته العالي المجلجل أسس لنا مدرسة في كيفية الدفاع عن الحق، وهكذا سار على هذا النهج وما زال الصادقون من أصحاب مدرسة السنة والجماعة.
إن الخطابة والكتابة والحديث والردود لها قواعد سامية وعظيمة تميزت بها أمة الإسلام قائمة على أساس النية الصادقة في كل قول أو عمل، فإذا اكتملت تلك القواعد الشرعية فبعد ذلك قل ما شئت وأكتب ما شئت وارفع صوتك متى شئت ولا تخش في الله لومة لائم، وإياك والهوى المتبع والشح المطاع والدنيا المؤثرة والإعجاب بالرأي.
إن الحركة الإسلامية اليوم تمتلك كفاءات عظيمة في كافة الفنون اللسانية، وهذه دعوة لتوحيد الخطاب اتجاه هدف فضح الباطل وكشف زيفه ولا نذهب بعيداً إلى معارك جانبية في قضايا فرعية لا تسمن ولا تغني من جوع.
