(الحريات- العدالة الاجتماعية) هذه هي الثورة الشعبية في مصر وفي تونس. طالب الثوار بالحريات عامة وبالعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة . الحريات السياسية مطلب رئيس للشعب كله . والعدالة الاجتماعية مطلب أساس للطبقات الوسطى والفقيرة .
ثلاثون عاماً من حكم مبارك, وثلاثة وعشرون عاماً من حكم بن علي أنتجت الديكتاتورية والفساد . العنوان الرئيس لهذه الحقبة التعيسة هو (زواج السلطة والثروة) . هذا زواج غير شرعي . إنه الزواج القائم على الغصب والإكراه . صاحب السلطان وفّر لصاحب الثروة (رجال الأعمال) البيئة المناسبة لامتصاص دم الشعب وثروة الشعب, واكتناز المال واقتسامه مع السلطان, أو مع أبناء السلطان, وعائلة السلطان.
بعد سقوط النظامين سمعنا بعائلة الطرابلسي وحيازتها ثروة غير مشروعة باسم السلطان (زين العابدين بن علي) . وسمعنا بعائلة مبارك وكسبها غير المشروع الذي قدرته (الجاردين) البريطانية بـ(40-70 مليار دولار) وبدأت أن تتكشف تباعاً آليات جمع الثروة من خلال استخدام آليات السلطان.
السلطان قمع الحريات, وحرم الشعب حقه في الديمقراطية والرقابة, واغتصب ماله وثروته الوطنية فأغنى السماسرة المقربين كأحمد عز وأفقر الملايين وحرمهم الحق في الحياة الكريمة, لذا خرج الشعب بطوائفه وفئاته وجميع مستوياته يطالب بالحريات وبالعدالة الاجتماعية.
المجلس العسكري الأعلى استمع إلى مطالب الشعب, كما استمع إليها العالم كله . ثمة إجماع على تلبية حقوق الشعب وفتح باب الحريات أمامه, من خلال تعديل الدستور, وإعادة الانتخابات, وتشكيل الأحزاب, وإحداث طلاق بائن بين السلطة والثروة . غير أن خطوات متابعة الثروة الفاسدة المغتصبة بآليات غير مشروعة ما تزال تسير بتردد وخوف لأن المال أقوى من السلطان.
الثورات الصغيرة في المؤسسات والشركات أجندتها تبدأ بالعدالة الاجتماعية, (بالراتب والفقر, والترقية, والعلاوة, والعقد الثابت ومدير الشركة الفاسد, والديكتاتور الصغير, وغير ذلك مما له علاقة بالحياة اليومية).
الثورة الاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية تبدأ بالطلاق البائن مع السلطان, ولكنها لا تنتهي قبل أن يستعيد كل صاحب حق حقه من مال, ووظيفة, ودرجة, وحد أدنى للأجور, ورعاية صحية, وحقه في التعليم, وهذه في مجموعها مسائل شائكة ولكنها في صلب وظيفة السلطان المكلف بسياسة حياة الناس الدنيوية بما يصلح شأنهم ويوفر لهم حياة كريمة.
المجلس العسكري الأعلى أكثر تفاعلاً حتى الآن مع المطالب السياسية العامة للشعب, والتي عنونا لها بالحريات, ولكن استجابته بطيئة للعدالة الاجتماعية, وربما لنقص الخبرة الإدارية, أو لأن المال العام غير متوفر في خزينة الدولة لأن سُرق وصار ملكاً للسلطان ولرجال الأعمال, أو لأن العدالة الاجتماعية تحتاج إلى وضع حكومي مستقر, ونزاهة في الأداء . لا نريد استباق الأمور ولكنا نودّ أن ننوه إلى أهمية العدالة الاجتماعية وأنها لا تنفصل عن الحريات.
