مبارك لم يتخل عن الحكم للقوات المسلحة . مبارك أُجبر على التخلي عن الحكم . هذا ما تقوله الصورة التي بدا فيها عمر سليمان وهو يقرأ بيان التخلي عن الحكم مساء الجمعة . ثمة فرق كبير بين التخلي الذاتي الإرادي, وبين الإجبار على التخلي بعد سلب الإرادة . لقد ضرب مبارك نموذجاً صارخاً في التمسك بكرسي الحكم, ورفض مطالب الثورة, وتعامل معها بالقطارة, يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين . وهو أسلوب يوحي بأن بعض مستشاريه قد تشربوا المنهج الإسرائيلي في المفاوضات والإخراج . ولخص الإعلام المشهد بعبارة (دكتوراة في العناد!). دكتوراة في العناد ربما أخطأ الحسابات حين فوض صلاحيته الكاملة لعمر سليمان. عمر سليمان فيما أحسب لم يكن مرشح الجيش للخلافة . عمر سليمان تعامل مع قيادة الجيش بطريقة خشنة بعد التفويض كما تعامل بالطريقة نفسها مع المتظاهرين عندما طلب منهم (العودة إلى ديارهم) . بعد التفويض أصدر الجيش البيان رقم (1) عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحماية حقوق الشعب المشروعة . البيان نبه إلى وجود خلاف مع الجيش حول التفويض . بعض المصادر تقول عن مبارك لم يستشر قيادة الجيش بالتفويض, ولكنه أبلغها بالقرار . حاول عمر سليمان استدراك غضب الجيش فأصدر الجيش البيان رقم (2) الذي رفع حالة الإحباط نسبياً عند المتظاهريـن. تدفقت حشود المتظاهرين بعد ظهر الجمعة لمحاصرة قصر العروبة مقر الرئيس, إضافة إلى قصر عابدين والتلفزيون وقصر التين . قدم الجيش نصيحة لمبارك بالانتقال إلى شرم الشيخ مؤقتاً لتجنيب الأخطار المحتملة . سافر مبارك وعائلته إلى شرم الشيخ ولم يكتب حرفاً بعد كتاب التفويض لعمر سليمان . بخروج مبارك شعر عمر سليمان بالضعف والوحدة وسقوط الغطاء . أسرع الجيش بالتعامل مع سليمان على قاعدة تولي الجيش المسؤولية, وانتهاء التفويض وتخلي مبارك عن الرئاسة, وتكليف الجيش بالمسؤولية . حاول عمر سليمان الرفض, فاستخدم الجيش القوة والتهديد فلم يجد سليمان بداً من الانصياع إلى مطالب الجيش . أتم الجيش كتابة بيان التخلي بالصيغة المقتضبة . وأبلغ عمر سليمان الرئيس مبارك بالقصة ونصحه بالموافقة عليه وبالمغادرة . غادر الرئيس وعائلته وأطمأن الجيش لنجاح خطته, وأجبر الجيش عمر سليمان على قراءة البيان, فقرأه وهو متألم يكاد أن يبكي على غير العادة, وخرج من المولد بلا حمص . ما حدث ليس انقلاباً . ولم يكن الجيش يرغب بالانقلاب لأسباب كثيرة, وفضل انتقال السلطة (بالتخلي والتكليف) للمجلس الأعلى . ولكن العملية التي تمت كانت سريعة بحيث لا يتقبل العقل الانتقال من العناد الكامل إلى التخلي الكامل في أقل من 24 ساعة. ولا يعقل أن يقرأ البيان عمر سليمان وأن يكون خارج المعادلة بإرادته أو بإرادة من فوضه . ومن ثّم تعجب بنيامين بن اليعازر من الكيفية التي تخلى بها مبارك عن السلطة . هذا مجرد سيناريو متخيل والخيال في العمل السياسي جزء أصيل حين تغيب المعلومة الحقيقية المفسّرة للأحداث. ومع ذلك فهو سيناريو الآن من الماضي المنتهي. والحاضـر الباقي هو أن الشعب انتصر ورسم الطريق لمصر الجديدة وفتح صفحة جديدة . سيكون الخيال والتخمين فيها أقـل.


