أخطر ما في وثائق الجزيرة يكمن في نقطتين وإن كان كل ما فيها خطير . النقطة الأولى المنهج الذي سار عليه المفاوض والذي يحكي توالي التنازلات المجانية من خلال عروض سخية يقدمها هو دون أن يتلقى عروضاً مقابلة من الجانب الإسرائيلي . والثانية أن المفاوض الفلسطيني نفسه مسكون بالهزيمة النفسية, فلا نجد له في ملف القدس ولا في ملف اللاجئين ما يشير لأنه يركن إلى قوة الحق الفلسطيني أو إلى قوة الشعب الفلسطيني.
ما قرأته أو سمعته من وثائق (كشف المستور) كما أسمتها الجزيرة يقول إنه لم تكن هناك مفاوضات, ولم يكن هناك تمثيل للوطن, ولم يكن هناك ثوابت فلسطينية . الذي كان لا يعدو عن كونه لقاءات يتنازل فيها الجانب الفلسطيني عن أهم حقوق الشعب من أجل استقطاب اهتمام المسؤول الإسرائيلي, أو الحصول على رضاه ومواصلة اللقاءات .
(حق اللاجئين بالعودة والتعويض) هو أهم الثوابت الفلسطينية, وهو جوهر القضية ومركزها . وعن قضية اللاجئين تتفرع القضايا الأخرى . اللاجئون يصرون على حقهم بالعودة . عددهم قارب سبعة ملايين . صائب عريقات كبير مفاوضي (م ت ف) يكتفي بعودة مائة ألف في عشر سنوات . أولمرت يقول العودة الرمزية هي خمسة آلاف فقط . يعود ألف في كل عام . ليفني تعقب على موقف أولمرت فتقول هذا موقف شخصي . أما الموقف الرسمي للحكومة فعدد العائدين هو صفر . لا يكتفي عريقات بهذا التنازل ولكنه يقدم آخر بالقول إن العودة إلى الضفة وغزة يجب أن تكون بحسب القدرة الاستيعابية وبموافقة إسرائيلية . ليس من حق كل فلسطيني في الشتات أن يعود إلى الضفة أو إلى 1948م . المفاوض الفلسطيني يقرر تكريس الشتات, ويفتات على حق اللاجئ.
ولا يكتفي عريقات الكبير بهذا, إذ يقدم تنازلاً يقول ليس من حق الفلسطينيين في الشتات أن يشاركوا في الاستفتاء على اتفاقية (الاستسلام والهزيمة) . هذا حق الضفة وغزة والقدس فحسب . لن يشارك الفلسطيني في لبنان أو في الأردن, في الاستفتاء . عريقات يزرع بذور فتنة فلسطينية داخلية؟!
المحزن المبكي أن عريقات لم يذكر القرار (194) الذي اشترط الاعتراف بـ(إسرائيل) بعودة اللاجئين . عريقات أسقط القرارات الأممية ونصَّب نفسه وضعفه مرجعية للإفتاء في مشكلة اللاجئين .
الحلول الخلاقة عند هذا الرجل هي ما ترضي (إسرائيل) . ولن تجد (إسرائيل) رجلاً مثله في إبداعاته الخلاقة . هو كبير في التنازلات لا في المفاوضات . ما نشرته (الجزيرة ويكيلكس) من وثائق خطيرة تتضمن أموراً لا تصدق . ليس صحيحاً أن ما نشر في الوثائق كان معروفاً . الكثير مما نشر لم يكن معروفاً . وما كان معروفاً لم يكن يقينياً لأنه كان تحليلاً . ما نشر الآن هو يقيني, يقوم على المعلومة لا على التحليل . ما نشر خطير لأنه يكشف ما يسمى (منهج التفاوض) من ناحية, ويكشف شخصية المفاوض المهزومة من ناحية ثانية.
(لا قدس. ولا لاجئين) هذا جوهر ما قالته الوثائق, منسوباً لعريقات وعباس وقريع . ولست أدري لماذا هذه السنوات المديدة من التفاوض؟! ولماذا هذا الإخفاء المتعمد للحقائق عن الشعب؟! منهج خاطئ, ونفسية مهزومة, ولسان طويل في الباطل والتضليل, هي أمراض عصابة الأربعة, أقيلوا عصابة الأربعة.
