الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 06:02 م

مقالات وآراء

د. عصام العريان

مسئول المكتب السياسي لجماعة الاخوان المسلمين بمصر
عدد مقالات الكاتب [52 ]

إنهم يغرقون سفينة الوطن

حجم الخط

دون انتظار لنتائج التحريات والتحقيقات التي تجري الآن لمعرفة أبعاد جريمة الإسكندرية البشعة والمخزية، فإن المسؤول عنها هو النظام الحاكم.

 

ويجب وضعه وسياساته الخرقاء الحمقاء في قفص الاتهام لمحاكمته، ليس فقط عن الدماء التي سالت في الإسكندرية، ولا الأشلاء التي تمزقت أمام كنيسة القديسين، بل عن الوطن الذي يكاد يتمزق بسبب تحوله إلى طوائف متصارعة، والفشل الذي أدَّى إلى اختراق خارجي لمصر من أجهزة استخباراتية، أو تنظيمات متطرفة استطاعت رغم كل ما يتم إنفاقه على جهاز الأمن المتضخم، أن تحقق هدفا عزيز المنال وهو تمزيق النسيج الوطني وخلق فتنة بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك يجب محاسبته عن الكارثة التي يمكن أن تؤدي بشباب محبط يائس إلى الانتحار، مسببا هذا الحجم من الضحايا وهذا الجحيم من الغضب المنفلت، أو بيع نفسه لقوى خارجية يتم استخدامه لكي يحقق زعزعة استقرار زائف لم يتم على أسس سليمة وليس له أي سند من الواقع. استقرار هش يمكن أن ينهار تحت وطأة أزمات لم تعد تختفي من حياتنا، كلما تنفسنا الصعداء أو كدنا خنقتنا أزمة جديدة، وكلما تعايشنا مع مشكلة دهمتنا أخرى لتمسك بخناقنا، فلم يعد أمام الشعب إلا رفع أكف الدعاء إلى الله أن يتدخل برحمته ليخلصنا من سبب الأزمات التي لا تنتهي ولا تنقضي.

 

لقد اختار المجرم الآثم توقيتا مريبا لارتكاب جريمته، ليذكرنا بأن جريمة مماثلة لا زالت في أروقة المحاكم بينما الجناة الحقيقيون يسرحون ويمرحون، هؤلاء الذين تسببوا بسياستهم في خلق مناخ أشبه بغرف الغاز التي تنتظر أي شرارة لإحراق الوطن.

 

واختار زمنا عجيبا، بعد أن أممّ سدنة النظام آخر مؤسسة ينفس فيها الشعب بعضا من غضبه، ويحاول أن يدق أجراس الإنذار والتنبيه لعل عاقلا هنا أو هناك يعود إلى الرشد، وعندما احتكر النظام مجلس الشعب بتزوير الانتخابات، بعد أن أمم المساجد واتحادات الطلاب ونوادي هيئات التدريس بالجامعات والنقابات العمالية، ومجلس الشورى والمجالس المحلية. وجمد معظم النقابات المهنية، وفرض الطوارئ ثلاثين سنة متصلة على الشعب المسكين، إذا ببركان الغضب ينفجر من الأخوة المسيحيين الذين اضطرهم النظام وشجعهم على اعتماد الكنيسة ملجأ وحيدا لهم، ومعبرا منفردا عن مطالبهم التي تحولت إلى مطالب طائفية وفئوية، لعل ذلك لأنهم أيقنوا أن المطالب الشعبية والوطنية قد تم سد كل المنافذ والنوافذ للمطالبة بها.

 

لا يمكن تحميل الأمن مسؤولية تامة عن الحادث -رغم التقصير الواضح والشديد- لأن الأمن ينفذ السياسات التي يكلف بها، وعندما يتم حشده لتزوير الانتخابات فماذا يتبقى لديه لحماية المواطنين.

 

ولا يمكن لأي عاقل أن يهمل دلالة الإدانات الخارجية من الفاتيكان والدول الأجنبية التي ترسل رسالة واضحة، وهي أن النظام الفاسد المستبد عاجز عن حماية المسيحيين، ونسي هؤلاء أنه عجز عن حماية كل المصريين، وماذا يجدي الآن رفض هذا التدخل المشؤوم في شأن داخلي، بينما نترك الذين أتاحوا له القدرة على التدخل بالكلام، تمهيدا للفعل في شؤوننا الوطنية. ولا ننسى أن هذا هو بداية الاحتلال لأوطاننا كما حدث من قبل، وكما رأينا في أوطان أخرى حولنا.

 

وإذا امتد بصرنا إلى ما هو أبعد، سنرى أن سلسلة الاعتداءات على الأخوة المسيحيين انطلقت من العراق إلى مصر إلى نيجيريا في أواسط أفريقيا، وأن التدبير لهذه الاعتداءات الخطيرة لا يمكن أن يكون محليا، ورغم اختلاف الظروف في كل بلد عن غيره، إلا أن الفاتيكان يتدخل ويعقد مؤتمر البحث مشاكل مسيحيي الشرق الأوسط، ويدعو بابا الفاتيكان الدول الأوربية صراحة لحماية المسيحيين في بلادنا جميعا، فالخطر لا يستهدف مصر وحدها، بل دولا عربية عديدة لم يكن آخرها السودان.

 

إلى أين تقودنا سياسة النظام وفشله في معالجة قضايا الأمن القومي؟

 

• تهديد الوحدة الوطنية، وتمزيق النسيج الاجتماعي لمصر، واستشراء الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وتكريس الطائفية، هذه ثمار مرة لسياسة النظام التي قامت على الاستبداد السياسي والفساد المالي والإداري والظلم الاجتماعي، والتي أدت إلى إنهاء دور المؤسسات المدنية والهيئات المجتمعية التي حاولت تخفيف آثار تلك السياسات الخطيرة، كل ذلك بينما يتبجح النظام بالمواطنة كشعار والديمقراطية التي ازدهرت وأينعت، فكان قطافها 97 في المئة من مقاعد مجلس الشعب لحزب واحد.

 

• إهمال تأمين موارد مصر المائية من مياه النيل وترك السودان لمصيره المحتوم بانفصال الجنوب، وتأزم العلاقات مع إثيوبيا وبعض دول حوض النيل أدى في النهاية إلى مخاطر مائية شديدة الوطأة في مرحلة يتنبأ المراقبون فيها باندلاع حروب المياه في السنوات القادمة.

 

• تفكيك المجتمع وتهديد الاستقرار والتماسك بين فئات المجتمع، والإغداق على نسبة لا تزيد على 10 في المئة بأموال طائلة وخدمات متميزة، وترك 90 في المئة من الشعب يعيش على الكفاف أو ما دون الكفاف تحت مستوى خط الفقر وإهمال المرافق والخدمات، وتمويل التعليم والصحة من جيوب الناس مع سياسة ضرائبية تقوم على الجباية في كل المجالات خاصة من الطبقة الوسطى، دون تقديم مقابل سياسي في انتخابات حرة، أو مقابل خدمي في مجالات الصحة والتعليم والنقل وبقية الخدمات.

 

• تحالف غير معلن مع العدو الصهيوني لحماية أمنه وحدوده وتوفير الموارد الطبيعية كالغاز ومواد البناء لمستوطناته، وقتل العشرات الذين يحاولون الهجرة عبر الخدود إليه.

 

كل ذلك أدى وسيؤدي بسبب إصرار النظام على المضي في تلك السياسات إلى كوارث متلاحقة ومصائب لن تتوقف.

 

يجب أن نعلق الجرس في رقبة المجرم الحقيقي، وأن نقول بكل شجاعة، حتى ولو انتهت التحقيقات إلى الإعلان عن اسم وانتماء الذي فجر القنابل أمام كنيسة القديسين، فإنكم تتحملون كامل المسؤولية عن تلك الجريمة التي جرت في حق الوطن كله وليس في حق الأخوة المسيحيين.

 

يجب أن نعلن بكل وضوح أن سفينة الوطن أوشكت على الغرق، وأن النظام الحاكم هو الذي يخرقها من كل جوانبها.

 

يجب أن ينتبه الجميع إلى حجم الخطر وأن تتضافر الجهود لإنقاذ مصر من سياسات حزب فقد العقل والمنطق والضمير.