على مدى السنوات الستين الماضية عصفت بالوطن العربي ثورات وقلاقل وحروب أهلية وأخرى إقليمية ، ولم يكد يستقر نظام إلَّا ويتصدع نظام ، ليعود الأول إلى التصدع ، وما أن يأتي فريق ليحكم حتى يقضي على من كان حاكماً وعلى بطانته ، دون اعتبار لخبراتهم ومؤهلاتهم وكفاءاتهم ، وخائن اليوم هو ثائر الغد ، حتى أمسى الإنسان العربي في لوعة واضطراب ، ويأس وضياع ، فالمغرب في صراع مع البوليساريو من جانب..
ومن جانب آخر فهي في احتراب مع الجزائر، والجزائر يذبح أبناؤها أبناءها ، وقادة ثورتها الذين شدوا أنظار الدنيا سرعان ما اشتجروا ، عندما أضحوا حكاماً ، و كذلك الحال في تونس ، وما الهيجان الذي يضربها عن الكاميرا ببعيد ، حكمها بورقيبة الذي كان ( المعلم الأكبر) وإذا به مقيد بقيود الإقامة الجبرية ليحكمها أحد تلاميذه ، وأما ليبيا فنظامها لم يحقق الوحدة التي يريد، فخلع ثوب العروبة ليلبس ثوب مالطة حيناً وثوب أفريقيا أحياناً...
والسودان تتمزق بعد ثلاثة عقود من الحروب التي حرقت أخضرها قبل يابسها ، واختطفت أرواحاً وأهلكت اقتصاداً ، وليس لها إلى النجاة من سبيل، و الأنكى ما نراه من عداوة وأحقاد قد تجذرت في قلوب قادتها وزعماء أحزابها وكلهم يصدر – فيما هو معلوم – عن الإسلام ، فحسن الترابي في عداوة مستحكمة مع البشير و كلاهما مع الصادق المهدي ، و ثلاثتهم مع باقي الزعامات سواء من داخل السودان أو خارجه ، وأرى الجميع يخطب وُدَّ سيلفا كير ...
وأما الضحية فهو السودان و شعبه ، وليس الحال في مصر بأحسن من سابقتها ، فعهد عبد الناصر صار هدفاً لسهام السادات ، و أحرزت الانتخابات الأخيرة سموماً سرت في الجسد المصري ، وكانت مصر طليعة الدنيا ودورها الدولي والإقليمي يحسب له ألف حساب ، ولم تك (إسرائيل) تخشى نظاماً في الأرض خشيتها من مصر ، حتى خرجت مصر من كل ذلك حتى رأينا من الأمريكان من يتباكى على جيش مصر..
وأما اقتصادها فتثقله الهبات والمعونات والديون ، والحال هو الحال في الأردن ، وحدث عن العراق ولا حرج ... حتى نصل إلى فلسطين وهي بيت الداء والقصيد ، وهي المهم الأكبر الذي ارتفعت به نظم وانحطت به أخرى، أثرت بها و تأثرت ، وقد كان تأثرها أشد ، فما تمزق نظام إلا وتمزق من فلسطين ما يعادله ، وما احترب نظام إلا وسقط من فلسطين ضحايا ، وما تواطأ نظام على نظام إلا وأصاب التواطؤ فلسطين في مقتل ، حتى أصبحت فلسطين صورة صادقة لهذه الأنظمة ..
ومن المضحك المبكي أن (إسرائيل) على النقيض مطلقاً ، فما نشبت فيها حرب أهلية قط ، ولا انقلاب عسكري قط ، ولم يجتث حاكم لاحق أزلام حاكم سابق ، بل راكموا خبرات ، واستأنف اللاحقون البناء من حيث انتهى السابقون ، ولم يقمع حاكم منهم شعبه ، ولم يكسر حاكم قلم كاتب ولا قطع لسانه ولا أشار إليه بكاتم صوت ، فلم يقطع بيجن رأس توفيق زيَّاد عندما شتم الأخير الأول ، وقبح أفعاله وتاريخه ، وشاغب عليه يوم أن كان السادات على منصة الكنيست ، ولهذا نحن نحن ؛ تخلف وتمزق و هزيمة و ضياع ، وهم هم ... ولن تقف في وجوههم إلا مقاومة لم تأخذ ملامحها من النظام العربي.

