الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 05:57 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

النسيج الاجتماعي

حجم الخط

"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص" تضمنت هذه الآية الكريمة من سورة الصف عدة أمور:

 

أولاً: أن من أحب ما يحب الله من أمة الإيمان، القتال في سبيله سبحانه. وغني عن البيان أن القتال في هذا الدين العظيم ليس للعدوان وإنما لصد العدوان ورد البغي، وليس للإكراه، لا وإنما لرفع الإكراه عن الناس. ملاحظة أخرى أن كلمة "يحب" وردت في كتاب الله إحدى وأربعين مرة جلها أو قل كلها عدا موضع في حق الله أولها في سورة البقرة في موضوع القتال، وهذه المرة في سورة الصف هي آخرها وهي في القتال. ولهذا الأمر دلالته. فالقتال سياج الأمة وسياج الدين. والسور الذي يحمي حمى المؤمنين من المعتدين والمجرمين.

 

ثم إن القتال ينبغي أن يكون لله وفي سبيل الله، وإلا تحول، كما ترى، وسيلة للبغي والعلو والاستكبار والاستعباد والإفساد وتغيير الأنظمة إلى موالية للسادة الذين أتوا بها كقتال العراق.. القتال خطر جداً إن لم يكن في سبيل الله وكلمة في سبيل الله لا تعني ما أراد أن يروجه أعداء الله أن القتال إنما هو لنشر دين الله بالقوة.. ولا والله، لقد افتروا.. فهذا مناقض لأعظم قواعد هذا الدين: "لا إكراه في الدين" التي وردت عقب أعظم آية في كتاب الله آية الكرسي.

 

وكم عظيم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على عزة الأمة ومنعتها وقوتها بحيث أنه وهو يودع الدنيا يسأل: هل أنفذتم (بالفاء) بعث أسامة؟ فيقولون: شغلنا بك يا رسول الله، فيقول: أنفذوا بعث أسامة.. لأنه يعلم أنه لا يقطع أطماع الطامعين في أمة المسلمين إلا الجهاد والقتال وكون الأمة مستعدة دائمة للمدافعة والنزال.

 

فلما تولى الراية بعد النبي صلى الله عليه وسلم: الصديق العظيم رضي الله عنه كان أول أعماله إنفاذ بعث أسامة، مخالفاً في ذلك رأي الفاروق وجمع من الأصحاب رضي الله عنهم ومعاذ الله أن يكون استبداداً بالرأي، ولكنه ينفذ أمر الرسول العظيم ولا يأمر بشيء جديد، وكم كانت خطوته مباركة في إيقاع الرعب في نفوس القبائل المكشرة عن أنيابها والطامعة في المدينة بعد أن التحق قائدها بالرفيق الأعلى. فانقمعوا وانكمشوا وخسئوا.. من جراء خطوة الصديق الموفقة.

 

وملحظ آخر أن اندفاع الأمة نحو الخارج لتأمين نفسها من عدوانه وقمع أطماعه، هذا بحد ذاته علاج لكل عوامل التضارب في الداخل، وعوامل التمزق والاصطراع، كما قال عمر رضي الله عنه: النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.

 

ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل حادث الإفك أول ما أشيع شغل الأمة بمثل هذا الحراك ليهديء من ثائرة وأضرار ذاك الحدث والحديث. فقد سارت بهم عامة النهار والليل فلما وجدوا مس الأرض ناموا.

 

أمر آخر أن الآية ترجمت مرتين عملياً، مرة بالتآخي وتصافي القلوب والتحام لبنات المجتمع، والتحام الصفوف إن في العبادة وإن في القتال وإن في الشأن كله.

 

والمرة الثانية أن المسلمين ترجموا الآية عملياً بإبداع تمثل في قتال تعرفه الجزيرة لأول مرة هو قتال الصفوف. فكان اختراقاً عسكرياً وإنجازاً مدوياً له وقعه ومفاجآته في نفوس الأعداء.

 

أمر آخر تأمل تناسق هذا الجو في السورة المباركة الكريمة. لقد بدأت بتسبيح الكون لله، كأنه أي الكون كله صفوف صلاة متراصة في عبادة الله.

 

ثم أمر المسلم بأن يتوحد ولا يتمزق ولا يتشظى ولا ينفصم نفساً وهوى عن عقله وروحه، بل يتحد ليكون واحداً متحداً بلا انفصام في شأنه كله، فعبادته وعادته واحد، وباطنه وظاهره واحد، وجلوته وخلوته واحد.. وخالياً ومع الناس واحد.

 

هذا "الاتحاد الفردي" إن جاز التعبير مهم في أمر صلابة اللبنة المستخدمة أو المتخذة في البناء. فلا بد من التحام، ولو كانت متفاوتة ما كان ثم التحام.

 

ٍثم عاب على المسلمين مثل هذا الانفصام أو الانقسام بين السريرة والعلانية أو بين القول والفعل فقال: "لم تقولون ما لا تفعلون" ثم نعته بأشد النعوت، بنعت الكراهية أو عدم المحبة، للدقة: "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" ثم دخل السياق في الآية موضع وموضوع الحديث.

 

ثم دخل في نموذج لانفصام بين القاعدة والقمة في قوم هم بنو إسرائيل، مع نبيين هما موسى وعيسى عليهما السلام، فقال: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين" ثم النموذج الثاني مع عيسى وبني إسرائيل أنفسهم: "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين" الصف6.

 

ثم بين هدفهم من هذا النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به، فهم منقسمون منشقون عن كل أحد، ليس مع أنبياء الله فحسب، فهم يظنون أن الله لك في الخير كما تظن..! فقال عن علاقتهم بنبينا الكريم وكتابه الكريم وغلبة عداوتهم عليهم وعلى مشاعرهم نحونا وعلاقتهم بها، فقال: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون."

 

ثم عاد في خواتيم السورة إلى ما كان بدأ به من وحدة في التعامل مع المنهج وضرورة عدم الخروج عليه، وأن من أحب ما يحب الله، هو القتال في سبيله سبحانه، فقال: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" إلى أن قال: "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين. فالقتال يحبه الله، والنصر في القتال تحبونه أنتم. وبالقتال تحققون ما يحبه الله وما تحبونه أنتم.

 

ثم آية الختام عود إلى قصة موسى والحواريين الكرام حين التفوا على نبيهم وصبروا معه على تآمر بني إسرائيل واستعانتهم على عيسى ومن آمن معه بالدولة الرومانية أساس الحضارة الغربية المعاصرة. "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين"

 

أحببت أن نستعرض السورة معاً لنتعلم منهجية القرآن. ونتعلم الوحدة الموضوعية في السور القرآنية، ونتعلم عظيم أهمية وحدة الصف، وكل الصيود تحققت في سورة الصف. ونواصل مع الموضوع بعد هذا التأصيل الواصل لا بعد هذا الفاصل معاذ الله!

 

نعود إلى حديث النسيج الاجتماعي الذي ما خرجنا عنه.. إن شاء الله.

 

الآن يتعرض هذا النسيج لاختراقات وتمزقات أو تمزيقات في كل بقاع العالم الإسلامي. تبدأ عبثاً بالنسيج الاجتماعي وتنتهي انفصالاً في الكيان السياسي.. وفتش وراء كل ذلك عن أصابع الموساد، قطعاً، وليس وهماً، وبتصريحهم هم لا في ويكيليكس، ولكن على لسان مدير مخابراتهم الذي أنهى خدمته في الجهاز، ومثل هؤلاء لا ينتهون، فهو قال: نحن وراء أزمة دارفور، ونحن وراء فصل الجنوب، ونحن سلحنا الجنوبيين ودربناهم..الخ.

 

وقبل أيام قليلة جرى عدوان بين الأقباط والمسلمين في مصر المحروسة. ذهب ضحيته قرابة العشرة..

 

هذه الأحداث هي الشرارة والمقدمة الأولى لتدخل القوى الكبرى في دولنا الصغرى بالغاً ما بلغ حجمها، ثم تضع يدها ووصايتها عليها ثم تقوم بالجراحة اللازمة لإجراء القيصرية لولادة كيانات مسوخ مشوهة، وقد انضاف إلى الخارطة عدد من هذه المسوخ: منها دولة الشيعة في جنوب العراق (عملياً)، ودولة الكرد في شماله (عملياً). ودولة أهل السنة في وسط العراق نظرياً. وسيضعفونها إلى أقصى الحدود.

 

وأمس كان أبو الغيط يفتتح القنصلية المصرية في أربيل، لا أدري ما الحكمة؟! وهو الذي قال نرحب بكونفدرالية ويعلم قبل غيره أن أية صورة من صور الارتباط ستمنع من قبل الأسياد الذين يعملون على تمزيق البلاد.

 

الأمر خطير، ونحن على مفترق طرق، ولا يبدو في الأفق أن دولنا تريد أن تفيق من غيبوبتها وسلبيتها. وليتها تتوقف عند حد الفرجة ولا تنتقل إلى مقاعد التآمر على الذات وتهديم الذات وتدميرها. وعسى الله أن يرد بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً.