الإثنين 12 يناير 2026 الساعة 06:52 م

مقالات وآراء

ويكيليكس.. الوشوشة والعالم السفلي

حجم الخط

أثار نشر ما يسمى بوثائق (ويكيليكس) كثيراً من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول الأسباب الحقيقية لنشر مثل هذه الوثائق، وهل هي حقيقية أم مزيفة؟ ومن يقف خلف تسريب هذه الوثائق؟ وهل للإدارة الأمريكية يد في تسريبها أم أنها أصيبت بالضعف الشديد لدرجة باتت القرصنة على مؤسساتها الأمنية والسياسية مسألة سهلة لا طاقة لها في منعها؟

 

هذا الكم الكبير من الوثائق التي تنشر على مرحلتين حتى الآن، ولربما هناك مراحل قادمة لنشر مزيد من هذه الوثائق، ولكن قبل الإجابة عن هذه التساؤلات يجب أن نشير إلى أن ما نشر لا يعد وثائق رسمية بقدر ما هو( وشوشات) كانت تجري بين مسؤولين أمريكيين وبين المسؤولين في كافة بلدان العالم، بمعنى أنها دردشات مسجلة ومأرشفة ومحفوظة في مؤسسات مختلفة لدى الإدارة الأمريكية، بمعنى أنها ليست ذات قيمة رسمية، ولكنها تكشف عن التفكير الصامت لدى الإدارة الأمريكية مع زعماء ومسؤولي العالم، والتي قد تبنى عليها سياسات مستقبلية، أو تكشف عن محادثات حول قضايا عبرت عن مواقف الأطراف المتحاورة فيما بينها.

 

الخطير في هذا النشر هو كيف توصل هذا الموقع إلى هذا الكم من (الوشوشات) الأمريكية، والتي عادة تتم في غرف مغلقة رغم أنها مسجلة، وهذا عمل إداري وسياسي سليم ومهني بغض النظر عن أخلاقيات هذا التسجيل وما يكشفه من قاذورات السياسة، لأن عالم السياسة عالم سفلي في جزء كبير منه، وما هذه الوثائق إلا جزء من العالم السفلي للسياسة الدولية، وهذا العالم تعد الإدارات الأمريكية من أكثر الدول تعاملاً معه واعتماداً عليه، وما كشفت عنه هذه الأوراق أو الوثائق عن عمليات التجسس وجمع المعلومات التي تقوم بها الإدارة الأمريكية عبر مؤسساتها هو نوع من العالم السفلي وهو ممارس عند جميع دول العالم ولكن بنسب مختلفة.

 

هذه الوثائق لا جدال في أنها حقيقية وليس مزيفة، ولكنها ليست رسمية، وهي ما نسميها نحن العرب (فض مجالس)؛ ولكنها في نفس الوقت توضح طريقة التفكير لدى الدول في إدارة الشؤون السياسية الدولية، والتي لا تعتمد على أخلاق أو مبادئ، والسؤال هل تقف المخابرات الأمريكية خلف هذه التسريبات؟ سؤال بحاجة إلى بحث وتدقيق رغم أن هناك مؤشرات تقول بأن من يقف خلف هذه التسريبات عاملون في المخابرات الأمريكية ومراكزها المختلفة، وهي تسريبات تمس النظم والمتعاونين مع الإدارة الأمريكية وما زالت العلاقات بين أمريكا وهذه النظم قائمة والحاجة إليها مطلوبة، وهذا يجعلنا نستبعد أن يكون التسريب تم بشكل رسمي معلوم رغم أن السياسة لا تحكمها أخلاق أو مبادئ بقدر ما تحكمها المصلحة، ولا نعتقد أن المصلحة قد انتفت بين أمريكا وهذه الأطراف، وهذا ما يجعلنا نستبعد احتمالية المشاركة من قبل الإدارة الأمريكية في عملية التسريب.

 

والمرجح لدينا أن تكون الإدارات الأمريكية ومؤسساتها تعرضت لعملية قرصنة على مواقعها نتيجة الثورة التكنولوجية العالمية، وأن من سرب هذه الوثائق لموقع (ويكيليكس) تمكن من اختراق المؤسسات الأمريكية الرسمية وقرصنة هذه الوثائق، وهؤلاء القراصنة استخدموا نفس أسلوب القرصنة الذي تمارسه الإدارة الأمريكية على العالم وعلى نفسها، وهو ناتج أيضا عن ضعف الإدارة الأمريكية ومؤسساتها ذات العلاقة الأمنية وخاصة البنتاغون في الاحتفاظ بالأسرار الأمريكية؛ لأن أمريكا تعتبر هذه (الوشوشات) هي من الأسرار التي يجب أن لا تكشف بهذه الطريقة ودون الاستفادة منها في الوقت المناسب لممارسة الابتزاز لدول العالم، وإعطاء صفة الرسمية لمثل هذه الوثائق، ولعل هذا هو الأخطر، الذي اعتبرته أمريكا، من نشر هذه الوثائق والذي شكل لها خسارة سياسية.