إن إقامة 1500 مشروع أو 2000 أو أكثر لا يعني بناء دولة فلسطينية، فالدولة وإن كانت تلك المشاريع بعض مقوماتها فإنها بحاجة إلى بناء المواطن والمجتمع على أسس من القيم والمبادئ الرفيعة ، بحاجة إلى قوة لحماية الدولة بعد تحريرها، بحاجة إلى اقتصاد حتى لا تصبح رهينة للمانحين والممولين.
كتب رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور سلام فياض مقالاًَ في المجلة الأمريكية " American Foreign Policy Magazine" بعنوان " لماذا أبني فلسطين؟"، وقد أعاد تذكير العالم بالمشاريع التي أقامتها حكومته وأن تلك المشاريع حولت الفكرة المجردة للدولة إلى حقيقة وأنه استطاع أن يتغلب على مشاعر اليأس المنتشرة في صفوف الشعب الفلسطيني، ورغم أنه تعهد بإنهاء الاحتلال عن طريق بناء المؤسسات إلا أنه أشار بأن ما تصنعه حكومته ليس بديلاً عن المسار السياسي.
عنوان المقال " لماذا أبني فلسطين؟" ليس دقيقا، فالأموال التي تقام بها المشاريع هي أموال سياسية تقدمها الدول المانحة وعشرة في المائة منها تأتي من دولة الاحتلال (إسرائيل) وهي الضرائب التي تحصلها للسلطة حسب اتفاقية أوسلو،ولو كانت تلك المشاريع من خلال تمويل فلسطيني ذاتي لسياسة ابتدعتها حكومة د.سلام فياض لاتفقنا جزئيا على العنوان، وكذلك فإن حكومة الدكتور سلام فياض لم تكن هي البادئة في "بناء الدولة" _لو جاز التعبير_ ولم تحول الفكرة المجردة إلى حقيقة لأن تلك الحكومة لم تبدأ من الصفر..
ولأن التاريخ الفلسطيني لم يبدأ مع حكومة د.فياض ولا حتى مع اتفاقية أوسلو، لأن الدولة الفلسطينية بدأت مع أول قطرة دم سالت لتحرير هذا الوطن المقدس منذ أن دنسه الاحتلال الأجنبي، فمئات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين والعرب والمسلمين لم يسقطوا من أجل فكرة مجردة أو حلم بل من أجل وعد إلهي صادق ويقيني، وأن مقاومة الشعب الفلسطيني التي سبقت الاحتلال الإسرائيلي وتصاعدت مع تشكيل الفصائل الفلسطينية المقاومة سواء التي انضوت تحت إطار منظمة التحرير أو تلك التي ظهرت مؤخراً مثل حماس والجهاد الإسلامي وغيرها هي التي أسست لتحقيق الحلم الفلسطيني الذي بدأ مع تحرير قطاع غزة وإخراج المحتل منه بالقوة رغم تدميره وتدمير مؤسساته.
إن كل ما بنته حكومة الدكتور فياض يمكن لـ(إسرائيل) أن تدمره بغارة جوية واحدة لو لم تكن موافقة عليه، ولكن الدولة التي يتحدث عنها الدكتور فياض ليست تلك التي نريدها، ولكنها التي تريدها لنا دولة الاحتلال على أساس السلام الاقتصادي الذي دعا إليه نتنياهو، وحدودها الجدار الفاصل والتي وافق عليها رئيس السلطة مؤخراً على أنها حدود مؤقتة، والتي باركها الرئيس المصري ووافق على استئناف التفاوض من أجلها ولو في ظل الاستيطان، تلك هي الدولة التي يريدون والتي لا تحمل من الدولة سوى الاسم .


