عقد من الزمان مر على انتفاضة الأقصى الثانية والتي انتقلت نقلة نوعية في الأدوات والوسائل والتنظيم وشكلت خطرا حقيقيا على الاحتلال الذي يمتلك قدرات عسكرية هائلة وتكنولوجيا متقدمة عجز عن استخدامها وهذا باعتراف قادة الاحتلال وقياداته العسكرية.
ولقد دخلت الانتفاضة مرحلة من المراحل أعلنت فيها قيادات في جيش الاحتلال عن عجزها الكامل عن وقف الانتفاضة ولذلك وضعت الخطط طويلة الأمد للتعايش مع تطورات أحداث الانتفاضة مهما طالت، وبين باراك وشارون ارتكبت مجازر حقيقية وخطيرة أوقعت أعدادا هائلة من الشهداء والجرحى وكذلك تم اختطاف أعداد كبيرة من الأسرى غصت بهم السجون الاسرائيلية. وأمام ذلك تحايل الاحتلال ومعه دول كبرى وأخرى إقليمية وأخرى داخلية على وضع حد للانتفاضة عبر شكل من أشكال الحلول السياسية وتقديم وعود للجانب الفلسطيني بإعطائه دولة فلسطينيه بشرط إعلان الجانب الفلسطيني تبني الحل السياسي عن طريق المفاوضات والعمل على محاربة الإرهاب.
وهكذا كان فقد أعلنت السلطة الفلسطينية ومعها حركة فتح عن تبنيها للمفاوضات كخيار استراتيجي ورفضها للعنف بكافة أشكاله لدرجة أن بعض القيادات في السلطة تصرح وفى كل المناسبات بأن الانتفاضة من اكبر المآسي والمصائب التي حلت بالشعب الفلسطيني.
وبغض النظر عن التجاذبات السياسية في الساحة وبالرجوع إلى آراء وأقوال المحللين الاستراتيجيين والكتاب المنصفين ومنهم إسرائيليون أشاروا إلى أن الشعب الفلسطيني في انتفاضته الثانية أبدع في اختيار أدوات المقاومة رغم بدائيتها في إشارة إلى أن هذا الشعب يمتلك إبداعات متجددة لاتنضب ولا تنتهي ،ولذلك نسي الذين يخططون لتحويل القضية الفلسطينية إلى مشروع اقتصادي واستثمارات ووظائف أن هذا الشعب يمتلك مخزونا هائلا من المشاعر والاندفاع ربما لا توجد في امة أخرى أو عند شعب آخر، لقد أخطا من ظن ان الشعب الفلسطيني سهل المراس سهل الترويض ذلك لان هذا الشعب عود الجميع على المفاجآت.
أن الشعب الفلسطيني الذي خاض انتفاضته الأولى وكان سلاحه الوحيد فيها الحجر وحسب وقدم فيها أغلى ما يملك لم يكن مكبوتا ولا محروما ولا مقموعا كما هو حاله اليوم ولم يكن جائعا بل كان يملك من أسباب الرفاهية رغم الاحتلال والعدوان الشيء الكثير.
وبعد عشر سنوات على انتفاضة الأقصى والتي سقط فيها من كرام أبناء الشعب الفلسطيني شهداء على مذبح الحرية حيث نستذكر القادة الكرام العظام أمثال الشيخ احمد ياسين والدكتور الرنتيسي وأبو شنب والمقادمة والشقاقي وأبو علي مصطفى وثابت ثابت والكرمي والقافلة تطول وتطول كل ذلك رغم المعوقات الداخلية والخارجية وقلة النصير.
لقد أثبتت أحداث الانتفاضة أن هذا الشعب تميز بصلابته ومتانته وأصالته وانه سرعان ما يتعالى على الجراح فالمحن توحده والأحداث تصقله ولقد تجلى التكافل الاجتماعي في تلك الفترة بأبهى صورتها. لقد تنافست الفصائل في تقديم يد العون لكافة أبناء الشعب الفلسطيني بغض النظر عن الانتماء الحزبي والسياسي خاصة اسر الشهداء والأسرى والجرحى لقد كانت المشاهد المؤثرة حين يصحو المواطن في الصباح الباكر ليجد فوق جدار بيته او بالقرب من بابه أكياس المساعدات دون ان يعلن احد عن نفسه او يتباهى بذلك أمام الناس.
استذكر وبنشوة تلك الأيام قادة العمل الفلسطيني من مختلف الفصائل وهم يتراكضون إلى المستشفى لمتابعة الجرحى والاطمئنان على حالهم وانتظار خروج جنازات الشهداء والسير في مواكبهم وأياديهم متشابكة وحناجرهم متوحدة وهتافهم يشق عنان السماء.
استذكر أيام حفلات تأبين الشهداء التي كان يشارك فيها الكل الفلسطيني دون تمييز وكذلك أيام بيوت العزاء التي تتحول فيها البيوت الفلسطينية إلى بيت واحد ذلك لان الهم واحد والشهيد ابن الجميع لقد تحولت بيوت العزاء إلى جلسات أفراح يتبادل فيها الناس التهاني، واني لا أبالغ انه في احد بيوت العزاء حيث كان النشيد يجلجل داخل القاعة فقام والد الشهيد مع مجموعه من أقاربه يدبكون على أنغام الانشودة استذكر والد الشهيدين على وعامر الحضيري الذي ألقى كلمة في حفل تأبينهم وابتسامته العريضة لم تغادر ثغره طوال الكلمة ثم اخذ يعزي الناس بأبنائه وكأنه هو المعزي والناس هم المصابون .هذا هو الشعب الفلسطيني وهذه هي صورته الحقيقية شعب التضحيات والبذل والعطاء والصبر دون حدود.
ولذلك لا يستحق هذا الشعب إلا كل تقدير واحترام ولا يجوز أن يقسو الإخوة العرب والأمة العربية على هذا الشعب العظيم الكريم واني أخاطب العرب حكاما وشعوبا قائلا : أمامكم شعب صاحب مراس وتجربة وبأس شديد حريٌ بالاحترام والتقدير أينما ذهب وحيثما حل فلا تغمضوا أعينكم عنه؛هذا الشعب الذي تمترس في مدينة القدس ورفض مغادرتها رغم كل أساليب القهر والقمع الصهيوني والسيطرة والقوه والبطش على منازل أهل القدس ولعل موقف نواب مدينة القدس المعتصمين داخل مقر الصليب الأحمر رسالة إلى جميع الأطراف واضحة المعالم واضحة السطور بيِنة الكلمات، فحواها :..إنا باقون على تراب القدس ولن نغادرها مهما اشتد القمع.....
هذا الشعب الذي دمرت منازله في غزه بآلة البطش الصهيوني فافترش الأرض والتحف السماء ورفض المغادرة وتحدى البرد والمطر والحر مصرا على الحياة والبقاء رغم انف العتاة والمجرمين، لقد رأينا عائلات بكاملها قد دمرت بيوتها وأبيدت مزارعها وتم القضاء على كل أسباب الحياة في مناطقهم وقتل من قتل من أبنائهم وإخوانهم فكان شعار الرجل والمرأة والطفل ممن بقي حيا منهم الحمد لله.. إنا باقون صامدون صابرون وسننتصر بإذن الله.
هذا الشعب صاحب الأيادي البيضاء في كل مكان حل فيه فأياديه بيضاء في التعليم والبناء والتوعية واستصلاح الأراضي فأين الوفاء وأين رد الجميل.
لا تقسوا على هذا الشعب أيها العرب وتحملوه مسؤولية الانقسام وتجعلوا من ذلك مبررا للتخلي عنه ومؤازرته ووقف دعمه.. ارفعوا الحصار عنه وسجلوا ولو موقفا واحدا يرضي عنكم ساكن السماء ويرضي عنكم شعوبكم.إن الخلافات بين الشعوب ظاهرة طبيعية خاصة الشعوب التي تتعرض للاضطهاد فشعبنا تعرض للاحتلال واقتلاع وتهجير وتقتيل وتذبيح وسجن ومآس ومصائب تنوء عن حملها الجبال الرواسي لكن رغم ذلك ما زادت شعبنا إلا صقلا وارتقاءً ولعل في قادم الأيام يريكم الله عز وجل من هذا الشعب ما تقر به عيون الأمة كلها.
ان هذا الشعب الموصوف في كتاب الله بأنه صاحب البأس الشديد والموعود في سنة نبي الله انه المنتصر والغالب في نهاية المطاف يستحق التكريم والمساندة والمؤازرة رغم الألم والمعاناة والحصار والتضييق والظلم والاضطهاد ((ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا )) ((ويستنبؤونك أحق هو قل أي وربي إنه لحق..)).


