الأحد 04 يناير 2026 الساعة 07:20 م

مقالات وآراء

صواريخ ليبرمان

حجم الخط

(ليبرمان) في الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يمثل نفسه كما زعم نتنياهو . ليبرمان يمثل نفسه ، ويمثل الحكومة التي يعمل فيها وزير خارجية ، ويمثل اليمين الصهيوني ، ويمثل (إسرائيل) ويمثل الحقيقة التي تسكن الروح الصهيونية منذ قيام دولة (إسرائيل) المحتلة.

 

ماذا قال ليبرمان في الجمعية العامة للأمم المتحدة؟! لقد قال ما يقوله كل إسرائيلي وكل صهيوني في صدره وفي بيته ، وفي الجلسات الخاصة ، الرجل اللامبالي قال ما يقوله الآخرون بصوت عالٍ يتحدى فيه الدبلوماسية الأمريكية والغربية.

 

لقد قال : ( إن التوصل إلى اتفاق بين (إسرائيل) وسلطة عباس قد يستغرق عقوداً) وبرر ذلك بقوله (الأمر يستدعي أولاً معالجة الخلاف مع إيران) ؟!

 

ما قاله في العبارة الأولى صحيح لسببين : الأول انه قد سبق أن قاله شامير عند ذهابه إلى مدريد مرغماً . الثاني: لأن الوقائع على الأرض تثبت ذلك ، لكن عبارته الثانية تضليلية في هذا السياق وإن كانت تعبر عن استراتيجية صهيونية لنقل مركزية الصراع إلى الخليج العربي وإيران.

 

ليبرمان قسم المفاوضات إلى (أعمال ومشاعر) ، وجعل القدس في إطار المشاعر والمقدسات التي ينبغي عزلها عن أجندة المفاوضات لأنه يصعب حلها، وإن (الأعمال) تقتضي القبول بالدولة المؤقتة ، وهو ما أسماه (حلاً انتقالياً بعيد المدى)، الأمر الذي يعني قطع الطريق على تسوية نهائية تعيد الحقوق لأصحابها ، (والأعمال) تقتضي بزعمه أيضا (تبادل الأرض مع سكانها) ، وهي القضية الساخنة المثيرة للجدل داخل فلسطين المحتلة عام 1948م ، وبسببها قال نتنياهو إن خطاب ليبرمان لا يمثله ولا يمثل حكومته ؟!

 

تنكر نتنياهو لليبرمان في هذه المسألة ليس عن اختلاف في الفكرة والغاية ، وإنما في إدارة الصراع في هذه الفكرة ، وفي التوقيت ، ومكان الطرح . ولأن ليبرمان (بلطجي) وقديماً كان حارساً في (كباريه) في روسيا فإنه لا يتقن فن الدبلوماسية ، ويراه ضعفاً ومن هنا جاء صوته المرتفع الذي حصد (19 نائباً) في الكنيست.

 

خطاب ليبرمان بما يحمل من أفكار وأخطار كبيرة جاء في مكان وزمان خطيراً أيضاً ليقذف منه صاروخاً عابرا للأفكار والأحلام التي غرق فيها محمود عباس وفريق التفاوض . ليبرمان يقول لعباس لا تصعد عالياً فأنت ضعيف ولا تملك أن تقرر ، أنا الذي أقرر نيابة عن (إسرائيل) القوية ونقول نحن في (إسرائيل) لسنا بحاجة إلى المفاوضات ، وعليك أن تقبل بما هو معروض عليك أو أن تنصرف أنت والمفاوضات ولا أسف على انصرافك ؟!

 

ليبرمان يعلم أن لجنة المتابعة العربية ستنعقد في 4 أكتوبر 2010م قبل إلقاء خطابه ، لذا فهو يراسلهم عن منصة الجمعية العامة بصاروخ يحكم كبرياءهم ويفجر اجتماعهم ، ويتحداهم إن كانوا رجالاً أن يقرروا الانسحاب من المفاوضات ؟!

 

لم يعد فيما أحسب مبرر لعباس للبقاء يوماً واحداً إضافياً بعد خطاب ليبرمان في لعبة إسرائيلية في جوهرها كسب للوقت ، وإزهاق لروح الدولة الفلسطينية المرجوة ، وإن من وسائل الإزهاق تبادل الأدوار بين أطراف الحكم في تل أبيب بذريعة الائتلاف الحكومي وانهياره . إن خيار استجداء الحلول خيار فاسد ، وأحرار العالم انتزعوا حقوقهم انتزاعاً، فما بال فلسطين بقيادة عباس تعمل خارج التاريخ ؟!