في مقال الأمس كان الحديث عن المتغيرات التي طرأت على الواقع الفلسطيني بعد عشر سنوات من انتفاضة الأقصى .
لكن ما لفت انتباهي هو تعليق النخب العربية والفلسطينية على حصاد الدم المدفوع في انتفاضة الأقصى ، من خلال تقييم لا يرقى للموضوعية اختزل حالة النضال القائمة ومسيرة الفداء العريض بسلبيات من هنا وهناك فرضها على المشهد الاستقرائي كأنها مجمل الرواية .
ثم اعتبر هذا الفريق أن المسلك الفلسطيني هو ما شوهد من بعض مرتزقة السلاح في الشارع الفلسطيني الذين أحدثوا فوضى المشروع السياسي الذي قادته منظمة التحرير (المبجلة ) .
في المتابعة لتاريخ من كتبوا وجدتهم إما صنفاً لم يعرف عن الحالة الفلسطينية سوى كم المال الذي يكتنزه من الدعارة السياسية وبيع شرف المواقف ، و آخر لم يقاتل ولم يشارك وظل في واقع أيامه معزولاً مطموساً غائب السيط لأن المعركة لا تظهر سوى الشهيد أو المقاتل الفذ ... فهو لا من هؤلاء ولا من غيرهم .
مقدمة التعريف هذه أساس لا بد من إبرازه لتقييم ما يقال ، لأن المقولة تقييم بصاحبها .
ولنثبت للقراءة موضوعيتها نسجل أن الحالة الفلسطينية التي قادت الانتفاضة لم تكن خالية العيوب ولا منزهة عن الأخطاء .
لكن الموضوعية التي يجب الحديث عنها أن ثورة الشعب الفلسطيني حققت الكثير وفرضت معادلة ذاتية لصدقيتها برغم حرص البعض على مشاعر العالم الذي يرفض المقاومة الحقيقية ويقبل مقاومة الورود كما يحاول اليسار الفلسطيني وبعض أدعياء العلمانية الأمريكية المنتفخين بالمواقف البائسة .
في الجوهر الذي نريده هو الحديث عن النجاحات التي حققها الشعب الفلسطيني في انتفاضاته وهي على النحو التالي ..
1. تعرية المواقف العالمية والصهيونية من خلال سياق شوهدت فيه (إسرائيل) والغرب في فلسطين كاستراتيجية متكاملة تلتقي مصالحها التي صنعت في سايس بيكو ، وما تلاها من استعمار للدول العربية التي ظلت حلم الصليب وحملاته التي فشلت في إدامة الملكية للقدس .
هذا ما يبرهن على أن معركة اليوم هي امتداد للقسمة التي تحكم أرض العرب قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، لكن الثأر المرة يتفقون عليه مع قريضة وبني النظير ، ليجذر الصراع من مفهومه الديني الذي تدفعه المصالح كما قال بوش ، واعتقده بلير في حرب العراق وأفغانستان.
2. إنهاء شرعية الأنظمة العربية في عيون جماهيرها بعد افتضاح التآمر الكبير على آمال الشعوب العربية وتطورها ، لتكشف انتفاضة الأقصى وبوضح الاحتلال القائم في الدول العربية من خلال السفارة الأمريكية التي يعمل فيها الفراش رئيس دولة .
وإلا ما الذي يفسر حصار المال على الراحل ياسر عرفات من بعض الدول الشقيقة بعد رفضه التوقيع على كامب ديفيد .
ونذكر بالعزوف عن الرجل الذي وصف بالبطل في مدريد ، ثم نذكر كيف أغلقت قنوات الاتصال به لرفضه طلب إنهاء القضية الفلسطينية .
3. الشعب الفلسطيني برهن على قدرة الانتصار ، وقبلها على إمكانية المواجهة برغم القوة الصهيونية الغاشمة .
حيث كان الإعلام الصهيوني يحاول إخفاء صورة مدنه الخاوية وباصاته المتوقفة ، وأيام مدارسه المعطلة ، وكم الهجرة المعاكس إلى خارج فلسطين ، وقبل ذلك هو الإعلان رسمياً عن أن الشعب بعد قرابة قرن من الاحتلال لم يمت وأن جيل شبابه الذين حاول بعض الساسة بيعهم في سوق التطبيع لم تمت لديهم فكرة الوطن ولم ينسوا حدود أرضهم من بحرها لنهرها.
4. أثبتت انتفاضات الشعب الفلسطيني أن أقصر البرامج للوحدة الهدف المشترك الذي تصوبه البنادق السمراء ضد صدور المجاهدين الذين امتزجت دماؤهم وقادوا ملحمة في جنين ، وغزة ، رام الله والخليل لم يسجل التاريخ مثلها على الأرض الفلسطينية .
5. أنجزت الانتفاضات وقف التمدد الصهيوني في دول القبائل العربية ، ووقفت حصناً في وجه مشاريع إنهاء الأردن ، وعزل مصر ، وأخرت السيطرة على منابع النيل ، ثم عزلت منظومة الإنسانية عن وجه (إسرائيل) القبيح الذي قال فيه باراك (إن إسرائيل في العالم أقبح من إيران ).
6. بلورة انتفاضات الشعب الفلسطيني هوية اللجوء الفلسطيني في العالم ، ثم سهلت العمل المشترك بين النخب العربية في دول الغرب ، بل إضافة عنصر الشراكة في المقاومة من الجماهير العربية التي عاد وعيها عن القضية الفلسطينية .
7. ثقة الفلسطيني بنفسه ، وكسره حاجز الخوف حين تحول الشبل الفلسطيني إلى قائد عسكري ينسج الحزام ، ويدبر الكمين ، ويخطف الجنود ، وحين الجد يقاتل لا يفر ، وللتذكير ضعوا على الباحث اسم فارس عودة ثم شاهدوا العظمة الفلسطينية .
8. الأهم من ذلك هو القناعة بأن الفلسطيني كبير لم يخن ، بل عاشت قيادته الفداء معه وأذكر ... بالشيخ أحمد الياسين ، الرنتيسي ، صلاح شحادة ، المقادمة ، أبو علي مصطفى ، الجمالين ، أبو عمار ، ثابت ثابت ، وغيرهم من القيادات الأولى التي حملت في سواعدها الغضب ، وارتحلت مع الدم أشلاء .
قد أواصل إلى المئة في التعداد ، لكن ما يهمني هو الثقة بأن المفخرة التي صنعها الشعب الفلسطيني لن تنسى ، وان المزاود المدفوع ، عليه أن يبحث عن ملف آخر يشتمنا منه غير أعراضنا ، ثم عند المحاسبة الموضوعية لا تنسوا أن القائم بدمه ، خير من الجالس على أريكته يداعب النساء .
