جل القراءات السياسية تفسر قرار لجنة المتابعة العربية للمفاوضات على أنه استجابة لمطلب أميركي من الرئيس أوباما . الحياة اللندنية قرأت في رسالة أوباما لعباس قوله: إما المفاوضات المباشرة وإما الإضرار بالعلاقات . عباس لا يحتمل الثانية, وجل أعضاء اللجنة لا يحتملونها أيضاً, لذا قالت اللجنة نعم لأوباما ونعم لعباس ونعم لـ(إسرائيل), ولا داعي لرحلة المتاعب, ومن ثمّ أعادوا (كرة النجاسة) كما قلنا في مقال سابق إلى صاحبها السيد محمود عباس, وملكوه أمرها.
أبو حسين أوباما في حاجة إلى ورقة المفاوضات المباشرة لأنها تعني أميركيا نجاحاً ما في العلاقات الخارجية للإدارة الأميركية, وقد تساعد على احتفاظ الديمقراطيين بمكاسبهم في انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر من هذا العام . الولايات المتحدة تعاني من أكبر خسائر بشرية في جنودها وجنود (إيساف) في شهر واحد, وتعاني أيضاً من تدهور الوضع الأمني في العراق, ومن تأخر تشكيل الحكومة العراقية.
أوباما ليس خبيراً في السياسة الخارجية, تلكم نقطة الضعف التي جسدها الجمهوريون في الوعي الأميركي, أوباما قرر أن يقاتل من أجل نفي هذه التهمة وتكذيبها لكن الفرص المتاحة أمامه قليلة, وتكاد تنحصر الآن في جمع الفلسطينيين والإسرائيليين في مفاوضات مباشرة, لذا ألقى بكل ثقله وجمع بين الترغيب والترهيب في رسالته الأخيرة التي ندعو إلى نشرها .
لقد استخدم النظام العربي – للأسف- القضية الفلسطينية دهراً لتحقيق مصالحه الذاتية على حساب المصالح الفلسطينية, ولا تكاد تجد في التاريخ العربي المعاصر صفحة يمكن أن يفتخر بها الفلسطيني أو العربي في إدارة الصراع مع (إسرائيل) !! القضية الفلسطينية عاشت دهراً جزءاً من عملية تجارية كأي سلعة قابلة للبيع والشراء, واليوم تستخدمها الإدارة الأميركية أيضاً كسلعة تجارية في منافسة حزبية داخلية في الولايات المتحدة الأميركية وتجد في العرب والفلسطينيين من يساهم في هذه العملية .
محمود عباس هو الأكثر إدراكاً أنه ذاهب إلى مفاوضات فاشلة, ما لم يقبل بالرؤية الإسرائيلية اليمينية لها, وهو الأكثر إدراكاً أنه ذاهب في عملية تجارية لكي يحقق أوباما مكاسب داخلية باسم المفاوضات , وهو الأكثر إدراكاً أن رسالة أوباما لا تتضمن إجابة محددة عن مسألة الحدود والأمن والاستيطان, ومع صحة الإدراك فهو ذاهب إلى نقيضه رغم أنف الشعب الفلسطيني, ورغم أنف الحقيقة التي يدركها, لأنه أسير والأسير فاقد لحرية الاختيار.
عباس يقترف النجاسة ويزعم أنه لا بديل عنها, في مجتمع تسيطر عليه الإدارة الأميركية . قد لا يكون عباس وحيداً في مقاربة النجاسة, إذ تدفعه إليها مجموعة من قادة الأنظمة العربية ممن يؤمنون بأن أوراق اللعبة بيد أميركا مائة في المائة , لكن ما نقوله في هذه المسألة إن عباس ليس كأحدهم في المسؤولية, فهو يزعم أنه يمثل شعب فلسطين, وشعب فلسطين, وإن تحفظ على هذه الادعاء, فهو يرفض تماماً المفاوضات المباشرة, ويرفض أن تكون القدس حذاء في البيت الأبيض.
الشعب الفلسطيني قال منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى: لقد انتهت مرحلة الاتجار بفلسطين والقدس, ولا مكان لوكلاء الشركات الإسرائيلية والأجنبية في تمثيل الشعب, وبدائل الشعب عن المفاوضات (كرة النجاسة) هي البدائل التي عرفتها ومارستها الشعوب التي تحررت من الاستعمار الأوروبي.
في فلسطين شعب استعاد نفسه بالدم, واستعاد دوره بالتضحية, وهو يسير قدماً في طريق صحيح نحو الحرية, ولا يعوق طريقه إلا هؤلاء الذين يلعبون (بكرة النجاسة) ويخدعون الناس بتلوينها أو تطييبها, (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون).
