"ليبرمان" وزير خارجية مثير للجدل . هو لا يتمتع بعلاقات جيدة في أوروبا أو العالم . ليبرمان رجل عنصري يؤمن بالقوة العسكرية في معالجة الشؤون السياسية فيما يتعلق بالفلسطينيين أو العرب . ليبرمان هو أحد كهنة (الترانسفير), وتبادل الأراضي والسكان . ليبرمان هذا يطرح على حكومته مشروع (غزة كيان مستقل).
لقد ضاق ليبرمان ذرعاً بغزة وبقدرتها على الصمود, ويجلبها حركة تضامن دولية مع شعبها المحاصر, الأمر الذي أدخل حكومة ليبرمان في مأزق لم يسبق له مثيل في العلاقات الدولية . غزة تمكنت أن ترسم لـ(إسرائيل) صورة المنبوذ وصورة العنصري في ذهن المواطن الغزي. غزة انتصرت بعد حرب رصاص مصهور, وبعد مجزرة أسطول الحرية, و(إسرائيل) لم تحقق أهدافها ودخلت في مواجهة صعبة مع المجتمع الدولي.
ليبرمان الشخصية الأكثر تمرداً في حكومة بيبي نتنياهو قرر أن يقدم مشروعاً متمرداً يتفق مع شخصية . المشروع يتضمن تخلص تل أبيب من مسؤولية قطاع غزة, وتحميله المسؤولية عن نفسه, في إطار نظرية الأمن الصهيونية, وإخضاعه للمسؤولية الدولية, ليبرمان يرى أنه إذا تمكنت حكومته من نفض يدها من غزة, استعادت مكانتها ومنزلتها في أوروبا وغيرها .
مشروع ليبرمان لا يهدف إلى استقلال غزة, ومنحها حقها في تقرير المصير, وإنما هو يبحث عن آليات عمل تنقذ (إسرائيل) من أزمتها مع العالم, يمنح غزة استقلالاً شكلياً . ليبرمان يحاول تسويق مشروعه بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي القادمين لغزة, وهو بصدد عرضه على كاترين أشتون, مفوضية الاتحاد الأوروبي . ولكي يجمل مشروعه ضمنه دعوة لإقامة محطة توليد كهرباء, وأخرى لتحلية مياه البحر, وإشراف دولي على ميناء غزة والمعابر.
قد يبدو عرض ليبرمان جديداً وراديكالياً يحكي تحولاً مهماً في السياسة الصهيونية إزاء المناطق الفلسطينية المحتلة في عام 1967م, والأمر ليس كذلك فهو ليس بالجديد بل هو امتداد لمشروع شارون حول فك الارتباط, وهو لا يمثل رؤية راديكالية تعترف بالتحولات المحلية والدولية والإقليمية, وإنما هو محاولة لإدارة مشروع الاحتلال, وليس للخلاص من الاحتلال . المشروع يهدف إلى عزل غزة عن الضفة والقدس, وإظهار تل أبيب بأنها تستجيب للمطالب الدولية بإنهاء الاحتلال وهي خطوة تمنحها عشرين سنة إضافة لاستكمال تهويد القدس ونشر المستوطنات في الضفة الغربية . المشروع يهدف إلى تمزيق النظام السياسي الفلسطيني, وحرمان الفلسطينيين من حقهم في دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي وسياسي, ومن ثمّ تكريس حالة الانقسام.
إن غزة التي استعصت على قادة دولة الاحتلال سياسياً وعسكرياً ترفض بإجماع فصائلها وقياداتها مشروع ليبرمان لعزل غزة عن القدس والضفة تحت مظلة إغراء شكلي غير واقعي اسمه (غزة كيان مستقل) . غزة تدرك أن مشروع ليبرمان هو تعبير مباشر عن حالة أزمة تسكن حكومة الاحتلال في تعاملها مع غزة وفي تعاملها مع القدس والضفة . غزة لن تساعد ليبرمان على الخروج بـ(إسرائيل) من أزمتها, وستصر على وحدة المصير مع الضفة والقدس.
إن مشروع ليبرمان هو مشروع مخادع, يستهدف تحطيم مستقبل القضية الفلسطينية من خلال تمزيق مكوناتها, وهو في نفس الوقت إقرار صهيوني بفشل مشروع المفاوضات الذي يقوده عباس, وجدير بالمفاوض الفلسطيني أن يتمعن في قراءة المشروع وأن يراجع موقفه من المفاوضات التي تبدو وكأنها جزء من خدعة كبرى تقودها (إسرائيل) برعاية أميركية.


