الجمعة 16 يناير 2026 الساعة 11:19 م

مقالات وآراء

رياض الأشقر

مدير الدائرة الإعلامية بوزارة الأسرى والمحررين
عدد مقالات الكاتب [49 ]

Happy Birthday To شاليط

حجم الخط

أربع سنوات مرت على اسر جلعاد شاليط، في الخامس والعشرين من يونيو لعام 2006 ، في عملية بطولية نفذتها ثلاث فصائل فلسطينية عسكرية وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام، لتثبت بان هذا الاحتلال اضعف مما يتصور البعض، وان جنود النخبة لديه الذين يتباهى بهم ليسوا سوى حفنة من الجبناء يتسترون خلف الدبابات والطائرات بينما يسقطون في أول مواجهة مباشرة مع أصحاب الحق، ويشهد على ذلك متضامني أسطول الحرية، وقد شاهد العالم بأسرة صور جنود الكوماندوز وهم تحت الأقدام يولولون ويصرخون رعبا وخوفاً والدماء تسيل منهم.

 

وكأني بشاليط في هذا اليوم داخل زنزانته، وقد احضر أسروه كعكة كبيرة وضعوا عليها أربع شمعات مع بعض الشاي في كاسات بلاستيكية فهناك غير مسموح باستخدام كاسات الزجاج أو حتى الحديد خوفاً من أن يقدم شاليط على الانتحار لأنه يعانى من اضطرابات نفسية حادة بعد أن أدرك تماماً بان حكومته غير معنية بإطلاق سراحه، وان هذا مصير من يدافع عن قيادة من القتلة، سرعان ما تتخلى عنه ولا تكترث بمصيره.

 

وكأن أسروه الآن يطوفون حول الكعكة، ويهتفون بمرحTo  Birthday Happy شاليط،To you  Birthday Happy، في جو هادئ خافت الإضاءة ، حيث الكهرباء مقطوعة مع توقف محطة التوليد عن العمل ، ورفض المصريين زيادة كمية الكهرباء التي تصل إلى رفح .

 

و"جلجل " يبكى ويتخيل والده "نوعام" ، ووالدته "ايفيا" وجده "تسفى" المسكين الذي يتحرق شوقاً للقاءه قبل أن يموت ، وهم جالسون في فناء المنزل الذي بدأ ينسى تفاصيله مع طول مده أسره، وهم يتذكرون ذلك اليوم الذي أُسر فيه، ويسترجعون ما قامت به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من اجله، فيصلون إلى نتيجة بان جميع الوعود ذهبت أدراج الرياح، وان جلعاد أصبح مجرد وسيلة يتغنى بها القادة للوصول إلى كرسي الحكم، وما أن يجلس رئيس الوزراء الجديد على ذلك الكرسي لم يعد يتذكر معاناة جلعاد في سجون غزة .

 

وأحياناً يتخيلهم يتسولون على أبواب مكتب نتيناهو أو باراك، بعد أن ساروا مشياً على الأقدام عدة كيلومترات للمطالبة بسرعة العمل على إطلاق سراحه، ولا يكلف احد من المسئولين نفسه بالخروج لهم والحديث معهم وطمأنتهم، فيعودا يائسين يجرون أذيال الخيبة.

 

عبثاً يحاول أسروا شاليط إقناعه بإطفاء الشمعات الأربع احتفالاً بهذه الذكرى السعيدة على قلوبنا جميعاً، إلا أن همَّه وحزنه وبكاءه بالكاد يدفعه لالتقاط أنفاسه الطبيعية، وليس لإطفاء الشمع، فيضطر أسروه لإطفاء الشمع بأنفسهم، متمنين له إقامة طيبة فى زنزانته المتواضعة، وعُمر مديد لكي يحتفلوا العام القادم في مثل هذا اليوم بعامه الخامس، ووعدوه بالعمل الجاد على إنهاء وحدته بإحضار صديق أخر،  مما يدفعه للجنون أكثر ويصرخ .. اقتلوني .. أريحوني من هذا العذاب، لا أريد الحياة لم يعد لدى أمل بالعودة إلى بيتي وأهلي .. يرد عليه أسروه بكل هدوء أعصاب .. بان ديننا يحرم قتل الأسرى ، ثم كيف نقتلك وأنت بالنسبة لنا كنز ثمين، والوسيلة الوحيدة لإنهاء معاناة ألف من أسرانا في سجون حكومتك، وكيف نقتلك وأنت الضمانة الوحيدة لنائل وفخري وعبد الله البرغوتى، ويحيى السنوار، وإبراهيم حامد، وأحلام التميمي، وأمنه منى، ومحمد حسان، عبد الرحمن القيق، وسليم الكيال، وفؤاد الرازم، وكريم يونس .. وغيرهم الكثير، هل تعرف هؤلاء يا  "جلجل " يرد عليهم بالإيجاب نعم اعرفهم فقد حفظت أسمائهم عن ظهر قلب، فمنذ أربع سنوات وأنا اسمع أسمائهم تتردد هنا ، ولكن يبدو أن نتنياهو لا يعرفهم، أو لا يريد أن يعرفهم، فهو لا يعانى مثلما أعانى .

 

يسأل أسروه ..هل تعرف يا "جلجل" كم قدمنا  تضحيات بعد أسرك، يرد أيضاً بنعم اعرف .. فقدتم الآلاف من الشهداء والجرحى، ودُمرت بناكم التحتية، ويتساءل بغباء "هل أنا أستاهل كل هذا ؟ يرد احد الأسرين، بالتأكيد لا ولكن ما قدمنا من تضحيات ليس لسواد عيونك، إنما من اجل أولئك الذين قدموا كل شئ من اجلنا، وأمضوا زهرات شبابهم خلف القضبان، ويستحقون منا أن نقدم كل شئ من اجلهم، وهؤلاء ليس لهم أمل بالخـروج من سجونكم سوى بعمليات تبادل تضمن تحررهم من الأسر، فحكومتك هي من دفعتنا لأسرك، وستدفعنا إلى أسر غيرك إن لم تطلق سراح أسرانا، فنحن لسنا هواه قتل أو خطف ولكنها وسيلة للوصول إلى حقوقنا، وبعد كل هذا تريد أن نفرط بك.. لن يحدث ذلك لن يفك أسرك سوى رضوخ حكومتك لمطالبنا، وفك قيد أسرانا.. والى حين ذلك كل عام وأنت بخير يا جلعاد .