السبت 10 يناير 2026 الساعة 08:05 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

يا مصر والله زمان!

حجم الخط

كم كان يحز في نفسي ويؤلمني، ويعز علي ويقلقني ويؤرقني أني أنا المحب لهذا العالم العربي، ممنوع علي دخول معظم بلدان العالم العربي، بينما هو يفتح ذراعيه لكل غريب اليد والوجه واللسان والجنان والوجدان. فاحتاج دخولي لكل بلد من بلدانه جهداً فارقاً حتى تم أخيراً، دخول بعض بلدانه، وكان آخرها مصر العزيزة، مصر المحروسة.

 

وعلم الله أني ما كنت يوماً إلا محباً لمصر، وهذا ليس شيئاً أمتاز به، معاذ الله، بل هو موقف طبيعي لكل عربي ولكل مسلم. وكان دخولي مصر محتملاً كل الاحتمالات، وكم نهاني الأعزاء، وخشوا أن يكون في الأمر ولو لبس فيقع ما لا يحمد. قلت لا بد من كسر الحاجز. وعندما وصلت المطار وجدت من ينادي «أحمد إسماعيل» فتوقعت أني المعني، فقال إنه من طرف الرائد فلان، يريد تتميم معاملتي، ثم تبين له أني لست المعني، بعد أن سار معي حوالي عشرة دقائق. ثم اعتذر وفارقني، فقلت: أحسن حتى تتم الأمور بصورتها التلقائية، وفي دقيقة أنهى الضابط المعني جواز سفري، فلم أصدق عيني، وبقيت واقفاً، فقال خلاص، ودخلت القاهرة بعد ربع قرن من الغياب.

 

كلمة بين يدي الكلمة

 

والله زمان يا مصر! لا يعلم إلا الله مدى شوقنا لمصر، فأما الشوق إليها فحدث ولا حرج!

 

«مصر التي في خاطري وفي فمي» كم كررت ورددنا هذا المقطع، مصر التي شاء الله أن تكون شعباً وأرضاً وموقعاً استراتيجياً، في قلب العروبة وقلب العالم الإسلامي.

 

مصر التي شرفها الله بأن كان منها كل الانبعاثات التي تمت في تاريخ هذه الأمة والانتصارات.

 

ونرجو ألا يستثقل أهلنا وأحبتنا في مصر ضريبة الإمامة والزعامة، فلا يقال: مالنا وللعرب؟! وهل يتخلى العظيم عن العظمة وإن كلفته كثيراً؟

 

وإن أنس لا أنسى عطاء مصر لكليتي كلية الشريعة، مجموعة كتب قيمة وأنا طالب في السنة الأولى، فقلت مستشهداً في الرد على هدية مصر لكلية الشريعة في كلمة بين يدي سفير مصر منذ 45 سنة..

 

أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا فكلاكما بحر

 

وإن أنس لا أنسى لمصر تعليمي، فأساتذتي من مصر وأنا في الأردن، ثم أكملت دراستي العليا في مصر، وصلتي بها منذ أربعين من السنين، بل إن شقي يحمل اسم «المصري» أعني الوالدة رحمها الله، فهي من عائلة «المصري».

 

ومعاذ الله أن يخطر بالبال أن الصغار يعلمون الكبار، فما يعلم أحد مصر واجبها، فالمعلم لا يعلم وإنما الصغار يتذكرون فيتعلمون، أي يتعلمون من مصر إذ يتذكرون كيف كان القيام بالواجب، وكم كانت التضحيات حين القيام بهذا الواجب.

 

ويا أيها الأحباب، مهر الإمامة غال.

 

وهل وصل إبراهيم عليه السلام منصة الإمامة والزعامة لكل الناس وكل الدنيا إلى زمانه إلا عبر بوابة التضحيات؟!

 

من هنا قال الله عز وجل: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا» هذا هو الطريق، عرفت يا أمة فالزمي!

 

القاهرة تغيرت !

 

كلما سألت عن مكان يقال لي: القاهرة تغيرت، وهو صحيح بكل المقاييس وكل المفاهيم، فأولا على الصعيد العمراني اتسعت رقعة القاهرة عن زماننا فيها إلى الضعف، وربما أكثر، فامتدت في عمق الصحراء، واتسعت من كل الجوانب، ناهيك عن مجموعة من الأنفاق الطويلة والواسعة سهلت حركة المرور المختنقة، ومجموعة من الجسور أكملت مهمة الأنفاق، وأعتقد أن عمان تحتاج إلى مجموعة من هذه الأنفاق.

 

وقد قاد بي سائق في وسط القاهرة، فرأيت العجب، وقال معلقاً على عجبي: من يريد أن يتعلم السواقة فليتعلمها هنا لا في أي مكان في العالم العربي. ولقد رأيت من يصطف بعربته في قلب الزحام، ولست أبالغ إن قلت إن المسافات من الجوانب لا تصل سنتمترات، فقلت للسائق: كيف سيخرج؟ قال: هو يدبر نفسه، ولا أصف لك كيف كان السائق يدخل في فجوات ليمكن غيره من العبور، ثم يواصل هو شق طريقه.

 

القاهرة تغيرت، فعلاً، فالأماكن التي أعرفها بالكاد عرفتها، مدينة نصر، طريق النصر، طريق صلاح سالم الذي كان من أهم معالم القاهرة، أصبح واحداً من بين عديد من الطرق تتفوق عليه.

 

والقاهرة تغيرت بمفهوم آخر، هو ما ينبني على هذه الفخامة من تبعات، فما عادت خدمات كالنظافة مثلاً تستطيع متابعة هذه الامتدادات الهائلة..

 

وتغيرت بمفهوم آخر كذلك بما ينبني على هذه الفخامة من توتر نفسي وعصبية، فالنكتة والقفشة ما زالت موجودة، لكنها تراجعت، وخفة دم الشعب المصري المشهورة ما زالت بالطبع، لكن كان الله في عونهم على هذا الازدحام الذي يصيب الإنسان بالضجر من ضياع الوقت. ولذلك أعتقد أنه بات من اللزوم بمكان أن تنشأ مشاريع مهمة وحقيقية في الأرياف لتثبيت الريف، فلا يظل كالرمال المتنقلة، والقوة الطاردة إلى العاصمة.

 

ولا بد كذلك من مشاريع في أماكن بعيدة عن القاهرة، حضرية كالقاهرة، وغير متصلة بها، حتى يخف الزحام. ولا بد من إعطاء حوافز مادية للشباب لاستصلاح الأراضي وإحياء الموات منها، لخلق تجمعات سكانية جديدة، وتصبح القاهرة مصدرة للطاقة البشرية لا مستوردة.

 

والقاهرة تغيرت، بمفاهيم أخرى. ربما تكون غير منظورة فيزيائياً كالزحام، وذلك يقتضينا أن نفكر مليا بدورها الطليعي العروبي. فيا أحبتنا في القاهرة ومصر المحروسة على العموم لا يمكن أن تكون قوتكم إلا بأمتكم. لا يمكن أن يكون من وراء "إسرائيل" وأمريكا خير لمصر. ألف مستحيل مثل هذا. فمن الذي يحفر كديدان الأرض ليخنق مصر مائياً بحجز مياه النيل وراء مجموعة من السدود تنشأ في عدة بلدان إفريقية؟ على النخب أن تخاطب النخب، وعلى الساسة أن يخاطبوا نظراءهم، فالجفاء لا يولد إلا الجفاء، والقطيعة والبعد لا تلدان إلا قطيعة وبعداً. والتراجع يستتبع التراجع. لا تدعوا هذا العدو الماكر الخبيث ينفرد بمصر.. مصر الكتلة والقوة والموقع والإنسان والتاريخ..

 

مصر التي كانت مدد كل حركات التحرر في الجزائر والمغرب وفلسطين وغيرها.. ينبغي أن تعود كما كانت، وليس هذا من باب الأنانية، لا وشهد الله، ولكن من باب المحبة الأكيدة لمصر، من أحبك يريدك في القمة!

 

أين «القوة الناعمة» لمصر، المشكلة من الثقافة والفنون والبعد المعنوي والزخم السياسي؟

 

كل هذا يحتاج الى إحياء، وبالجهد والعزم -إن صحت النوايا- نبلغ بإذن الله ما تشاء!

 

وسلام على مصر، وسلام عليكم من مصر.