بقلم: د. أحمد نوفل
هذا عنوان مقال في مجلة "الهلال" عدد مايو 2010، وهو للكاتب "معصوم مرزوق"، يلخص فيه كتاباً لكاتب فرنسي هو "جان كلود موريس"، وقد جعل عنوان كتابه: "لو كررت ذلك على مسامعي فلن أصدقه" ووجدت الكتاب مهماً، وإن كان عنوانه طويلاً، والمقال الذي لخصه مهم، وما كل قارئ يتاح له سبيل الاطلاع على كتب من هذا القبيل، ولا حتى كاتب هذه السطور، فأحببت أن تشاركوني بعض ما فيه من المعاني، وتروا كيف تدار أمريكا بوش برؤى توراتية منغلقة متحجرة متعصبة، ويحرم على المسلمين تكوين تجمعات على أساس ديني (كما في بعض البلدان وأمها) ويحظر قيام الدول على أساس ديني (ولذلك يحاصِر العرب والغرب و"إسرائيل" جيباً مهمشاً فقيراً اسمه قطاع غزة، معزول على حافة قارة آسيا..). وكاتب المقال في الهلال يقول بدوره إن أحد الأصدقاء أرسل له تلخيصاً للكتاب، فصار ما بين النبع والوارد، قارئ هذه الكلمات سلسلة رباعية. هذه الرؤى التوراتية البوشية هي الرؤى الشيطانية. فإليك تخليص التلخيص.
يقول "معصوم": إن غرابة ما قرأ ودهشته منه، دفعه إلى أن يعد للقارئ هذه المقالة ونصه "كي يتأمل، أي القارئ، أحوال العالم، خاصة مع حلول الذكرى السابعة لغزو العراق" وأما مؤلف الكتاب فصحفي فرنسي كان يعمل مراسلاً حربياً لصحيفة: "لوجورنال دوديماش" من سنة 1999-2003، ويتناول في كتابه "أخطر أسرار المحادثات الهاتفية بين الرئيس الأمريكي بوش الابن والرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك" والتي كان يجريها -أي المحادثات- بوش لإقناع شيراك بالمشاركة في الحرب التي شنها على العراق 2003، بذريعة القضاء على "يأجوج ومأجوج" اللذين ظهرا في الشرق الأوسط" (الشرق الأوسط يعني أولاً "إسرائيل"! وأما الآخرون فهم معطوفون بحرف عطف و..)
يقول المؤلف الفرنسي في مستهل كتابه: "إذا كنت تعتقد أن أمريكا غزت العراق للبحث عن أسلحة التدمير الشامل فأنت واهم جداً" (لا نريد أن نعلق فنحول بينك وبين المقال والكتاب والأسرار التي يكشفها الكاتب نقلاً عن شيراك، وما جرى بينه وبين بوش الصغير الزعيم الأيديولوجي المتعصب الشوفيني الصهيوني الذي دمر أمريكا -تقريباً- وسعى في خرابها من حيث يظن أنه يحسن صنعاً، وما صنع ما صنع إلا خدمة للصهيونية، أقول لا أريد أن أقطع اتصالك، ولكن لاحظ اليوم الحملة على سوريا، كيف يشنون عليها حملة إعلامية شرسة تقودها السيدة "المصون الحصان الرزان" "هيلا هوب كلنتون"، كما كان يقود الحملة على العراق "كولن باول" أول كاذب في مسابقات الكذب الدولي المدمر!)
نعود إلى الكتاب والمقال يقول: فالأسباب والدوافع الحقيقية لهذا الغزو لا يتصورها العقل.. بل هي خارج حدود الخيال، وخارج حدود كل التوقعات السياسية والمنطقية، ولا يمكن أن تطرأ على بال الناس العقلاء أبداً. فقد كان الرئيس بوش الصغير مهووساً بالتنجيم وتحضير الأرواح وقراءة الكتب اللاهوتية القديمة كما يقول المقال.. وفي مقدمة ما يقرأ: التوراة، ويجنح بخياله الكهنوتي المضطرب في فضاءات التنبؤات المستقبلية المستمدة من المعابد اليهودية المتطرفة، ويكرر في خطاباته عبارات غريبة من مثل: "القضاء على محور الأشرار"، "بؤر الكراهية"، "قوى الظلام" (هذا المصطلح الأخير يستهوي إعلامنا العربي، ولعلنا تفوقنا على سادتنا الذين أنتجوا المصطلح ونحتوه ونقشوه. وعرباننا استعملوه حتى ابتذلوه، واستهلكوه حتى مجهم ومجوه..!)
ويكرر كذلك "شعب الله المختار" "والهرمجدون" "وفرسان المعبد". ويدعي (أي "دبليو..") أنه يتلقى رسائل مشفرة يبعثها إليه الرب عن طريق الإيحاءات الروحية، والأحلام الليلية. (هو صادق! فقد قيل لابن عباس: إن فلاناً يزعم أنه يوحى إليه. قال: صدق، وتلا قوله تعالى: "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم..")
وكشف الرئيس الفرنسي شيراك في حديث مسجل له مع مؤلف الكتاب عن صفحات جديدة من أسرار الغزو الأمريكي، قائلاً: تلقيت من الرئيس بوش مكالمة هاتفية في مطلع 2003 يطلب مني الموافقة على ضم الجيش الفرنسي للقوات المتحالفة ضد العراق.. مبرراً ذلك بتدمير آخر أوكار "يأجوج ومأجوج"، مدعياً أنهما مختبئان الآن في الشرق الأوسط قرب بابل. وأصر على اشتراك فرنسا وشيراك في "الحملة الإيمانية المباركة" ومؤازرة أمريكا في تنفيذ "الواجب الإلهي المقدس"، الذي أكدت عليه التوراة والإنجيل. (في الحقيقة هنا جملة مداخلات وتعليقات. فأولاً: إن الحقيقة الدينية شيء، وتحريفها وتحريرها وإخراجها عن مسارها شيء آخر مختلف جداً. فإياك والظن السيئ بالدين الحق وحقائقه. فدينهم مشوه مشوش لا يقاس على الحق، ولا الحق عليه يقاس. ثانياً: يتصور "يأجوج ومأجوج" شخصين شرق أوسطيين مسلمين بالطبع. ولو جئنا نتعامل بعقلية بوش الخرفة أو لا عقلانيته لقلنا: إن أقرب الأمم إلى "يأجوج ومأجوج" هي أمريكا والصهيونية العالمية ويهود الخزر و"إسرائيل". لكنا لا نتعامل بمنطقهم. وأمر ثالث: لو قال مثل هذا القول "قاعدي حجري" لقامت الدنيا، أما أن يقوله: "قائد عصري" فهو أمر منطقي عقلاني، فقوله: حملة إيمانية، نبوءات توراتية، الرب قال لي، فهذه مقولات.. فعلاً شيطانية بوشية!. وأمر رابع: لماذا الدين يتحكم في سياستهم وتصر الزعامة العربية الراشدة على إبعاد الدين عن السياسة مثلما هي عبارة السادات المفضلة المفصلة على مقاسات الصهيونية: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؟!)
نعود، وسامحونا. يقول شيراك: هذه ليست مزحة، فقد كنت متحيراً جداً، بعد أن صعقتني هذه الخزعبلات والخرافات السخيفة التي يؤمن بها رئيس أعظم دولة في العالم (هكذا تصنع الصهيونية المسيطرة! تأتي بزعماء مثل بوش لتسيطر عليهم) يواصل شيراك: ولم أصدق في حينها أن هذا الرجل بهذا المستوى من السطحية والتفاهة، ويحمل هذه العقلية المتخلفة، ويؤمن بهذه الأفكار الكهنوتية المتعصبة التي سيحرق بها الشرق الأوسط والحضارات الإنسانية. (صدقني لعل هذا الموقف من شيراك تجاه بوش وسياسته هو الذي جعل "الفرقة إياها" توجه له تهمة الرشوة والفساد..!)
ويرى المؤلف أن الموقف الفرنسي الرسمي والشعبي كان واضحاً في معارضته لتلك الحرب، ومنزعجاً من محاولات بوش الغبية لتبرير حربه على العراق، وربطها بالنبوءات الكهنوتية المتعصبة، ويردف المؤلف (الفرنسي) قائلاً: لم يصدق شيراك أذنه عندما اتصل به بوش قبيل الحرب على العراق بأسابيع ليقنعه بالتراجع عن معارضته الشرسة. مؤكداً له مرة أخرى أن هذه الحرب تستهدف القضاء على "يأجوج ومأجوج" اللذين يعملان على تشكيل جيش إسلامي من المتطرفين في الشرق الأوسط لتدمير "إسرائيل" والغرب. (المهم "إسرائيل"! الغرب مش مهم) وكم كانت دهشة شيراك عظيمة عندما سمع بوش يخبره في مناسبة أخرى عبر الهاتف، ويقول له حرفياً: إنه تلقى وحياً من السماء لإعلان الحرب على العراق؛ لأن "يأجوج ومأجوج" انبعثا من جديد في العراق، وهو في طريقه إلى مطاردتهما؛ لأنهما ينويان تدمير الغرب المسيحي. (الغرب كله غير مهم، المهم سيدة الغرب والشرق الصهيونية العالمية ومشروعها في فلسطين: "إسرائيل"! إنما يذكر الغرب لذر الرماد..!)
وشعر شيراك حينها بالخجل والفزع من هذا التبرير السخيف، ومن هذه السذاجة والصفاقة. لكنه لم يتصور أن تطرف بوش وميوله (الدينية المهووسة) سيدفعانه نحو تحقيق نبوءات التوراة على أرض الواقع.. ويقودانه إلى ارتكاب مثل هذه الحماقات التاريخية الكارثية. وقد كرر بوش حكاية "يأجوج ومأجوج" من منظوره في مؤتمراته الصحفية والسياسية.
ثم يتابع المؤلف إن الطائفة المسيحية التي ينتمي إليها بوش هي الطائفة الأكثر تطرفاً في تفسير العهد القديم (التوراة)، ويتمحور معتقدهم حول المنازلة الكبرى "الهرمجدون" (ومعناها من العبري إلى العربي: جبل مجدون) (يبدو أنه تحريف لمجدّو قرب جنين) وهذه العقيدة منتشرة اليوم في أكثر من (1200) كنيسة إنجليكانية.
وقد ذكر ريجان سنة 1980: "إننا قد نكون جيل معركة هرمجدون" وقال سواجارت: الهرمجدون قادمة. وغمارها في وادي مجدون أو بابل (فلسطين أو العراق يعني) وقال: يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات سلام، لكن أياماً سوداء تلوح في الأفق!" (سامع يا سلام!)
وقال "فال ويل" (صديق بوش الصغير وهو قسيس كبير!): "الهرمجدون حقيقة، وستكون هي المنازلة الأخيرة" وقال القس كين بوغ: "إن المليارات سيموتون في هرمجدون!" وقال سكوفيلد: "إن المسيحيين يجب أن يرحبوا بواقعة هرمجدون؛ لأن المسيح سيرفعهم فوق السحاب.." إلخ.
ونقلت جريس هالسل في النبوأة والسياسة عن هؤلاء المهاويس: "إن تاريخ الإنسانية سينتهي بهرمجدون.." إلخ.. إلخ.
ويشير الكاتب المصري في نهاية مقاله إلى أنه ما زال العالم ينظر إلى مدارس تحفيظ القرآن أنها مصدر الإرهاب!!
ونقول: ألم يأن للذين آمنوا ثم للناس كلهم أن تنتهي من عقولهم خرافات بني إسرائيل!؟
