الأحد 04 يناير 2026 الساعة 05:48 م

مقالات وآراء

وداعاً أبا منير

حجم الخط

بقلم: د. يوسف رزقة

 

وداعاً أبا منير . وداعاً أيها الوزير . وداعاً أيها المستشار وداعاً أيها الشاعر الملتزم والكاتب الحصيف . اليوم تودعك غزة إلى مثواك الأخير . غزة التي أحببتها وشربت لبنها وأكلت من خبزها وملحها تنعاك إلى فلسطين وإلى الأمتين العربية والإسلامية . غزة وجريدة فلسطين تبكي برحيلك الرجولة والوفاء فنعم الرجل كنت ونعم الوفي المحب.

 

الأستاذ المستشار وزير العدل ناهض الريس ابن فلسطين وابن غزة وابن الحركة الوطنية . يرتحل إلى الرفيق الأعلى ولمّا تتحققْ أحلامه الوطنية التي كافح من أجلها وأفنى شبابه خدمة لها . يرتحل عنا الرجل الإنسان والغزي الهمام ولما تتحرر القدس ولما يعود اللاجئ الفلسطيني إلى وطنه وبيته ومزرعته .

 

لقد ترك الراحل رحمه الله سيرة حياة حافلة بالعمل الوطني والسياسي, وصحب قادة كبار كأبي عمار وأحمد ياسين وخليل الوزير, وصلاح خلف, وتنقل من بلد إلى بلد يحمل همّ فلسطين وهمّ المقاومة, وهمّ اللاجئ المشرد, فكان نموذجاً طيباً في كل ملف حمله رغم الفساد الذي تغلغل في أحشاء الحركة الوطنية.

 

لقد ترك أبو منير رحمه الله تراثاً أدبياً وفكرياً وسياسياً حافلاً يحكي حياة وطن ضربته النكبة ضرباً عنيفاً في عام 1948, وزلزلته النكسة زلزالاً شديداً في عام 1967, وأيقظت الرجال على وقع الهزيمة فتقدم الراحل مع القادة الكبار إلى حمل ملف فلسطين والصراع بقوة وأمانة وشهامة.

 

إنك إذا جمعت سيرة حياة الراحل العملية إلى تراثه الفكري والأدبي فإنك لا شك تقف أمام جبل غزي يحكي صبر غزة وتضحياتها, وتراث يحكي رحلة جيل لا حياة فرد, يحكي البطولة الفلسطينية كما يحكي مشاهد من المظلومية الفلسطينية ويكشف للأجيال قواعد العمل وطريق الخلاص ويفند لهم جوهر الصراع, وينتقد بقوة من ضربوا قصب السبق في التيه وصحراء المفاوضات, وآخرين ممن ضربوا في الفساد تاريخ أمة ونضال شعب كريم فأساءوا لأنفسهم ولشعبهم.

 

لقد شهد الراحل حرب الفرقان الأخيرة التي أسماها العدو بالرصاص المصهور, فكتب كتابه المثير (غزة في بطن الحوت) وقد تشرفت أسرة مجلة فلسطين بنشر جلّ الكتاب على حلقات عشرين هي أيام المعركة التي سجلت بطولة المقاومة وغطرسة القوة الغاشمة لمحتل غاصب.

 

لقد أحب الراحل رحمه الله جريدة فلسطين ووجد في صفحاتها المشرقة منبراً إعلامياً ملتزماً فخصها بمقالاته الثرية في الفكر والسياسة والتربية, وأطلع القارئ على بعض تاريخ حركة فتح ورحلتها, قبل أن يسرقها المتسلقون وينحرفوا بها باتجاه مصالحهم الشخصية.

 

لقد كان من آخر كلمات الراحل الرجل الإنسان والوطني الغيور والوسطي المنصف قوله لبعض من زاروه أنا من الرعيل الأول من أبناء الإخوان المسلمين, عرفت الإخوان ودعوتهم مع خليل الوزير وصلاح خلف, وأرى أن حماس على حق وتسير على الجادة البيضاء, فسيروا على بركة الله واحفظوا المقاومة, فأنتم الأمناء على الوطن بعد أن أسلمت غزة قلبها وصبرها لكم.

 

رحمك الله أبا منير وأسكنك فسيح جناته وألهم ذويك الصبر والسلوان.