السبت 03 يناير 2026 الساعة 07:09 م

مقالات وآراء

عباس..قائد أم عراب

حجم الخط

بقلم: د.عطا الله أبو السبح

 

مما يعتز به الفتحاويون أن فتح هي أول رصاصة وأول حجر ، وأنها هي التي حولت القضية من قضية متسولين تستجدي المعونات والمساعدات لتوفير اللقمة والهدمة إلى قضية شعب له عَلَم ودولة ورئيس وسفارات وحكومة وبساط ِأحمر، ولن أجادلهم فيما أخالفهم فيه ، ولكن لا يمكن أن تقوم لهذه الأمور قائمة إلا بقيادة توفرت لها سمات ثلاث:

 

الأولى: الوعي والتأهيل ، فبهما تقوم بالمهمات الثقيلة والصعبة والدقيقة، إذ لا ينهض إلا الواعي لمراحلها ومعوقاتها والعناصر المؤثرة فيها ، ومراميهم ووسائلهم ، لا مجموعة من الشاذين الغارقين لآذانهم في شهواتهم ونزواتهم ، وتتحكم فيهم غرائزهم ، فتنقلهم إلى مستوى من الدونية والبهيمية تجعل منهم مطايا لعدو ماكر ، ليس له من هم إلا الإيقاع بمن يتسلم القيادة في شباكه ، ثم ليحركهم كيف يشاء ، وإذا استنفد أغراضه حرقهم كيف يشاء .

 

وهذا ما يدركه كوادر فتح الذين خاضوا تجارب مريرة مع هذا العدو، ونكبوا بسقوط الكثير ممن يحسبون على الصفوف الأولى منهم، ومارسوا من خلالها ما كلفهم به ضباط الشين بيت ، فأوقعوا المصائب في صفوفهم ، استحقوا بموجبها الإعدام وفعلاً قد نفذ في أصحاب أسماء لها بريق ، وهناك غيرهم ممن ( طار ) وسكن في ( مواخير العار ) أو الزنازين أو الاكسات المخصصة للعملاء لينتقلوا منها إلى صفوف ( العصافير ) التي تباشر بكل مكر التحقيق مع المناضلين الشرفاء ، وهذا يلقي على كاهل عباس أن يختار بين أن يظل قائداً ينقي أو يعمل على تنقية القيادة من عبيد الشهوات والشاذين والسفلة ، الذين شوهوا النضال الفلسطيني وتاريخه ، أو يترك ، فهل يمكنه ذلك ؟

 

الثانية: الانتماء لفلسطين ( أرضاً وإنساناً وهوية ) ففلسطين حق متكامل بجوانبه الثلاثة، وأي انتقاص من جانب لا يحقق لفلسطين تكاملها، فهي لا تقبل الطرح أو القسمة ، إذ هي حق خالص لهذا الإنسان الذي لا يجوز أن نميزه إلى حامل رقم وطني أو نازح أو لاجئ ، حتى وإن تحصل على جنسية غير فلسطينية ، فهو فلسطيني من حيث الجذور والفروع ، وأي استثناء لأي فلسطيني هو انتقاص لهذا الانتماء ، وبمجموع الأرض والإنسان تتشكل هوية الفلسطيني، وأي استبدال أو تحوير أو شطب أو كشط فيها فإنه يلغيها وتصبح غير فلسطينية ، غير تلك التي ينبغي للقيادة العمل على تأكيدها وتعزيزها، وأما أصحاب الانتماءات غير الفلسطينية والولاءات الغريبة ، فلا يصلحون أن يكونوا قادة ، وبالتالي فإن أصر عباس على أن يظل في موقعه فليتحسس انتماءه أولا ثم من حوله فإن وجد خللا في الانتماء لفلسطين ( أرضاً وإنساناً وهوية ) فليكن كما يشاء ؛ هندياً أو أمريكياً أو غجرياً .... ولكن من انتمى لفلسطين فلا يصح أن ينتمي لغيرها.

 

الثالثة: التضحية ، وهي ليس كلمة تقال فليس قائدا من يحرص على الغنى ليفقر شعبه ، ولا يدفع غيره للقبور بينما هو يعيش في سبعة نجوم ، ولا يكون قائدا من يعيش لنفسه وملذاته ، وليس قائدا من يضحي بآخر قطرة من دماء شعبه ، وليس قائدا من يجود بآخر فلس في جيوبهم ، وليس قائدا من يجعل منهم خدما وهو السيد الذي تجلد زبانيته ظهورهم، إنها فلسطين فأين عباس من كل هذا ؟ أعلم أن عباس يدرك أكثر من غيره أن فتح إن لم يقدها المؤهلون الواعون المنتمون المضحون قادها رفيق الحسيني وهشام مكي ، وجورجينا رزق ، الذين مزقوا جسدها بعد أن أوهنوه ، وأسكنوه العلل ...

 

إن المتسلقين والنفعيين الذين طالما تسلطوا على فلسطين قد أضاعوا المضامين والمنطلقات الفتحاوية الأصيلة ، ولطخوا اسمها الذي كان ذات يوم نقياً ، وشرفها قبل أن تلوثه الغرائز ، ومباذل رفيق وأشباهه ، وسفالاتهم . إن فتح حركة تحرير وطني ، ويجب أن تظل كذلك ، وهذه مهمة ثقيلة ثقيلة ، وقد أوكلت قيادها ( بالآه أو باللاء ) لعباس، فلا ينبغي أن يقول لنا ما يقال له بأن الفضيحة الأخيرة إنما هي محض افتراء ، فهو – قبل غيره – يعرف أن ما جرى قد جرى فعلا ، وأنها ليست أول مرة لرفيق ، وأنا على يقين أنه يعلم أن هناك العشرات من أمثاله ، فضلا عن اللصوص ، كما أنني على يقين بأن التاريخ لن يرحم أبدا ، فعلى عباس أن يكون قائدا ولا تريده فلسطين عرابا.