الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 08:19 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

انهيار الرأسمالية

حجم الخط

بقلم: د. أحمد نوفل

 

هذا عنوان كتاب للكاتب الألماني: 'أولريش شيفر' ترجمه الدكتور عدنان عباس علي، ونشرته سلسلة عالم المعرفة عدد رقم 371 بتاريخ يناير 2010.

 

يقع الكتاب في 472 صفحة واثني عشر فصلاً، سأذكر عناوين بعض فصوله، عنوان الفصل الأول: الرأسمالية قاب قوسين من الهاوية. والفصل السابع: انفجار فقاعة السيولة..، والثامن: الانهيار الكبير، والتاسع: المجتمع السقيم، والعاشر: العالم يعيش حقبة تحولات. والأخير: الأزمة الحالية ستليها أزمة أخرى بكل تأكيد.

 

يقول الكاتب في مقدمة كتابه إن فكرة الكتاب تبلورت في ربيع 2008، وكانت الأزمة المالية في بداياتها الأولى، لم تكن البورصات تعرضت للزلزال. وكان كثير من المختصين زعموا أنهم قد خلفوا وراءهم أوخم العواقب. وكان دعاة الرأي المخالف عملة نادرة. ولكن الذي نظر بعين فاحصة كان يرى الكارثة المفجعة. وأنها ستتخذ أبعاداً عالمية.

 

وتطورت الأمور بنحو أسوأ مما توقع هؤلاء، ففي خريف سنة 2008 انهارت أسواق المال بنحو لم يعرفه العالم منذ ثمانين سنة. ومن نافلة القول أن هذا الانهيار لم يبلغ نهايته بعد.

 

والكاتب في كتابه هذا يسعى إلى شرح العوامل التي قادت إلى الكارثة. وفي نهاية مقدمته يطرح الكاتب عدداً من الأسئلة من مثل: هل نحن على أبواب تدهور اقتصادي طويل المدى؟ هل سنسقط في الهاوية مع سقوط نظامنا المصرفي؟ هل ستعصف بالعالم الويلات التي عصفت به في ثلاثينيات القرن العشرين؟ هل سترتفع البطالة إلى المعدلات التي بلغتها إبان أزمة الكساد الكبير؟ إلخ..

 

ثم يقول في مقدمته: ربما اعتقد البعض أننا نرسم مشهداً متشائماً أكثر من اللازم وعارياً من الصحة، لكن واقع الحال يشهد أننا لم نبالغ قط. فتطور الأحداث أثبت صدق التنبؤات.

 

إن الاقتصاد الذي عرفناه حتى الآن انهار في خريف 2008 بكل تأكيد. إن العالم سيتخذ شكلاً مختلفاً في المستقبل. سيطفو على السطح نظام عالمي جديد بكل تأكيد. سيتبلور اقتصاد سوق قائم على مبادئ العدالة الاجتماعية. أو قل إن هذا هو الأمل الذي يراودنا.

 

ويبتدئ الكاتب فصل الكتاب الأول بنقل عن 'جوزيف ستيغلتس' الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل: 'لقد علمتنا أزمة الكساد الكبير أن السوق غير قادرة على تسوية الأمر. لكن هذه الحقيقة مضى عليها ثمانون عاماً. وفي يوم من الأيام لم يكن هناك بد من أن تختفي هذه الحقيقة من الذاكرة'

 

وبعد كلمات ستغلتس تكلم عن ويلات الانهيار والنتائج التي ترتبت عليه، وقال: إن نظرة على البيانات المخزنة في حاسوب الخبير الاقتصادي الألماني 'ماركوس غرابكا'، كفيلة بإحاطته علماً بمدى الهزة العظيمة التي خلفها اقتصاد السوق الحرة في المجتمع الألماني.

 

إن 'ماركوس' يلمس منذ سنوات كثيرة تعمق التباين بين الأغنياء والفقراء. ففي حين استطاع العشرة في المئة من المواطنين المنعمين تحقيق ارتفاعات متسارعة فيما يحصلون عليه من دخول، أمسى لزاماً على العشرة في المئة من فئات أدنى السلم الاجتماعي تدبير متطلبات العيش بدخول أدنى من دخول مطالع التسعينيات.

 

إن لدى العشرة في المئة التي في أعلى السلم 60% من ثروة المجتمع النقدية والعقارية. فيما نصف المجتمع لا يمتلك شيئاً إلا القليل. (هذا في ألمانيا فماذا تقول دول العالم المتخلف؟)

 

ويقول 'غرابكا': إن التطور في الدخول المتحقق منذ سنة 2000 يدعو للفزع. ثم يقول 'شيفر' مؤلف الكتاب: إن العصر الذهبي الذي تمتعت به البلدان الصناعية الغربية منذ التسعينيات قد صار في ذمة التاريخ، وذهب مع الريح الحلم بالازدهار. والزلزال الذي ضرب البورصات 2008 فاق كل الزلازل التي عصفت بها حتى الآن. إن الدولة تقاوم أزمة ما عاد في الإمكان ضبطها.. فالدولة تنقذ مصرفاً بعد الآخر. وتؤمم الواحد بعد الآخر، وتضخ في الاقتصاد مبالغ لا قدرة لنا على تصور عظمتها. ثم يسأل عدة أسئلة من مثل: ما الخسائر التي سنتكبدها؟ ويخلص إلى أن الطبقة الوسطى، على وجه الخصوص، هي التي ستذوق مرارة هذا التحول. وهي الركيزة التي يستند إليها الاقتصاد.. لكن هذا القلب بات ينزف دماً.

 

كان عدد أبناء الطبقة الوسطى يبلغ في ألمانيا سنة 2000 قرابة الخمسين مليوناً، انحدر الجزء الأعظم منهم إلى مصاف الثلث الأخير من السلم الاجتماعي.

 

إن العاصفة التي هبت على أسواق المال ستسبب في أوربا والولايات المتحدة ضياع ملايين فرص العمل..

 

إن الفزع من التدهور ينشر ظلاله في كل البلدان الصناعية. إن المواطنين يتابعون الكيفية التي تختل بها عرى النظام الرأسمالي.. حينما تختفي عن الأنظار مؤسسات مالية عملاقة؛ لأنها بددت المليارات في أسواق رأس المال.

 

ثم يقول: 'بينما تعهد في ماضي الزمن، صانع المعجزة الاقتصادية، لودفيغ أرهارد (أول وزير للاقتصاد في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية)، تعهد بتحقيق الرفاهية للجميع، أكد الرئيس جون كنيدي: 'أن التيار سيحمل القوارب كلها نحو الأعلى' يقول الكاتب: بيد أن تيار الرأسمالية صار يدمر قوارب أكثر فأكثر، فعدد القوارب التي تهلك غرقاً في خضم عاصفة العولمة في تزايد مستمر. (هذا كلام صانعي العولمة، فماذا يقول المتفرجون على طاحونة العولمة وهي تهرس أوطانهم وقوتهم واقتصادهم؟)

 

ثم تكلم عن رجال اللوبيات الذين يُشِيدون (بكسر الشين) (ما زالوا) بمحاسن اقتصاد السوق العولمية.

 

ثم تكلم عن المواطنين العاديين النافرين من اقتصاد السوق، ومن الإطار السياسي لاقتصاد السوق، والديموقراطية أيضاً، والأحزاب السياسية، ويعتزلون المجتمع (هذا عندهم!) ويتخلفون عن المشاركة في الانتخابات، لقد باتوا يشعرون بأن الدولة تعير اهتمامها للآخرين فقط. إن السوق التي يفترض فيها أن توفر أو تحقق لهم الرفاهية، قد أخذت تتصرف بوحشية لا تعرف الرحمة.

 

ثم تكلم عن تحذيرات متعالية، من مثل تحذير وزير المالية الألماني 'شتاينبرك' من 'أزمة الشرعية' ويعترف رئيس الجمهورية الألماني (كوهلر) 'بتصاعد مشاعر الذعر المخيمة على الشريحة الوسطى' ويقر 'ساركوزي' بوجود 'فزع متزايد من العولمة' ويصور 'سمرز' أحد أشهر اقتصاديي أمريكا، يصور واقع الحال فيقول: 'إننا نشهد فزعاً من اقتصاد السوق ما كان له وجود قط'

 

كانت الرأسمالية قبل فترة قصيرة أقوى منها في أي عصر مضى، بدت المنتصر الذي لا يجارى، فقد هزمت الاشتراكية، وتغلغلت في كل المعمورة. وظهرت وسائل الاتصال الجديدة، وشبكة المعلومات.. إلخ

 

هذه المستجدات ما كانت لتظهر وترتقي من غير وجود الرأسمالية عالمية الأبعاد. وفي سياق هذا كله ارتقى ملايين المواطنين إلى مراتب أعلى.. في حين تكفلت دولة الرعاية الاجتماعية بتأمين متطلبات العيش للجميع، في هذا الوقت حددت دولة القانون القواعد المتحكمة في عمل الاقتصاد. وقد أطلق 'مولر' وزير الاقتصاد وأستاذ الاقتصاد في الجامعة ولودفيغ أرهارد أول وزير للاقتصاد أطلقا على هذا النموذج مصطلح: 'اقتصاد السوق المتكفلة بالرعاية الاجتماعية' لكن هذه السوق استعيض عنها بنموذج جديد يتصف بالوحشية والأنانية.

 

لقد كفّت الدولة عن التدخل في السوق، تاركة قوى السوق تصول وتجول كما يطيب لها، أي إن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني توجهه حفنة رجال تهيمن على الشركات العملاقة والمصارف ولا تتمتع بأي شرعية ديموقراطية. ومنذ ذلك الحين أطلقت الرأسمالية العنان لطاقاتها الجامحة.. المعظمة للرفاهية، والمدمرة لوحدة المجتمع. إن هذه الطاقات غيرت نمط حياتنا بنحو متسارع.

 

إن العالم الجديد، الذي نحيا في كنفه، يختلف عن العالم الذي عرفناه قديماً. فهو عالم يصعب علينا إدراك كنهه، إنه عالم مثير للحيرة والارتباك. فكل شيء فيه له علاقة وثيقة بالأشياء الأخرى.

 

فبورصة شنغهاي على علاقة متينة بمثيلتها في نيويورك. أضف إليه أن العالم الجديد أمسى أكثر سرعة. إن الأفكار والأخبار والمشاعر تنتقل الآن بسرعة الضوء. وفوق ذلك إن العالم الجديد يكافيء ويعاقب وفق قواعد أخرى. إن الرأسمالية العولمية تقضي على فرص العمل بلا هوادة. إن أبناء الطبقة الوسطى يخشون في الراهن أن يخسروا مكاسبهم التي حققوها. إن الأسعار ترتفع بوتائر أسرع من ارتفاع الأجور. وصار الخطاب السائد في المصانع والشركات أكثر فظاظة. ويضرب الكاتب مثلاً على ذلك بشركة نوكيا الفنلندية العملاقة التي أغلقت مصنعها في 'بوخوم' الألمانية ففقد (2300) عامل فرص عملهم، وفضلت الإنتاج في رومانيا؛ لأنها أقل تكلفة؛ لتدني الأجور في رومانيا.

 

وكذا إلكترولوكس السويدية أغلقت مصنعها في ألمانيا واتجهت إلى أوروبا الشرقية، وكذا BMW وسيمنس و.. وبرر رئيس سيمنز تسريح الأيدي العاملة بحجة أن الشركة قررت التخلص من 'طبقة الوحل' المتراكمة لديها. ولنا مع الكتاب عود إن شاء الله.