بقلم: د. عطالله أبو السبح
كنا قد عرفنا هذه القاعدة الاستعمارية (الذهبية) منذ أن كنا صغاراً. وكان مدرسونا يمثلون لنا بالدولة الإسلامية، وتمزيقها على يدي سايكس وبيكو، ولم يكن الأمر في أذهاننا خطيراً، فلنا دول وجامعة عربية، ثم كبرنا فوجدنا أنفسنا أمام تقسيمات من نوع جديد غير ما فعله كل من سايكس وزميله بيكو، إذ وجدنا دولاً ثورية وأخرى تقدمية وثالثة رجعية، وطحنت أدمغتنا ثقافة التشاتم والسباب، والخطب الرنانة، وحاز مذيعون على شهرة جرت على ألسنة الناس مجرى المثل، فقد تفوقت على شهرة ملوك ورؤساء، وتطور الأمر حتى وصل إلى درجة الاحتراب، وتعددت الحروب فمنها ما كان أهلياً، ومنها ما كان بين دولتين، ومنها ما كان بين أكثر من دولتين، ولم تستقر منطقتنا في سنة إلا واشتعلت فيها حروب وحروب، من شرق الوطن العربي إلى غربه، هذا إلى جانب دول لم تكن قد نالت استقلالها، بل ظلت راسفة في أغلال الاستعمار...
لم تشهد منطقة في العالم انقلابات عسكرية - كماً ونوعاً- كما شهدها العالم العربي، فعشرات منها في سوريا، وعشرات في العراق، وما أن نالت الجزائر استقلالها وتسلم أحمد بن بيللا حتى قام عليه رفاقه، وكان اسم أحمد بن بيللا أشهر من نجم، وتسلم هواري بو مدين، وتمزق شمل أشهر خمسة زعماء لثورة الجزائر (الذين اختطفتهم فرنسا وهم: أحمد بن بيللا، حسين آية أحمد، محمد خيضر، رابح بيطاط، محمد بو ضياف) وإذا بالجزائر توشك أن تدخل في حرب مع المغرب، وليبيا مع مصر، ومصر مع السودان، ومن قبلها مع السعودية والأردن في (حرب مهلكة على أرض اليمن)، والعراق مع العراق (النظام مع الأكراد)، ثم سوريا مع سوريا (النظام مع الإخوان)، ثم ليبيا مع ليبيا، ومصر مع مصر كذلك، والسودان مع السودان (جنوباً وغرباً ودارفور)، ولبنان مع لبنان في حرب السنوات السبعة، ثم العراق مع إيران لثماني سنوات، ومع الكويت، ثم مع 32 دولة... حروب أهلكت الحرث والنسل بمنطق القرآن، والحرث هو الاقتصاد والنسل هو البشر، عشرات الآلاف هلكوا ومليارات الدولارات أكلتها النيران وتجذر الحقد العربي في قلوب العرب على العرب حتى قال أحد الظرفاء: كل منا يحمل ضده؛ أي في حنايا صدره، جروح نازفة، ونكبات وتمزق، وضياع أفرزت أنظمة شمولية ومستبدة، وهان العرب على خصومهم، وأمسوا رهائن لدى الكبار وعبيد إحسانهم ومعوناتهم... وآلت أمورهم إلى استرضاء أعدائهم... تنتهك حرماتهم وكرامتهم وتضيع مقدساتهم، جامعتهم جامعة اسماً لا مضموناً فما اجتمعوا إلا ليتفرقوا، تلاسن وسباب وشتائم في (القمة)( وكل يدعي وصلاً بليلى.. وليلى لا تقر لهم بذاك) أكثر من مؤتمر عقدوه للوفاق والمصالحة والاتفاق، ولكن كمن يطحن الماء.. والقدس تنهشها أنياب حادة كأسنان (القرش) التي نهشت سمكة الشيخ في رواية (فيكتور هوجو) الشهيرة (الشيخ والبحر) بعد أن خارت قوى الرجل وهو يحاول إنقاذها ليعود بعشاءِ لطفل صغير.. وها هم ينظرون إلى بعضهم.. ضاعت فلسطين، وهم يحاربون فيها المقاومة ويحاصرونها، وقيدوا أنفسهم باتفاقيات زادت من تمزيقهم وزادت من تحكم عدوهم فيهم فمن كامب ديفيد إلى وادي عربة إلى أوسلو (النكبة) إلى خارطة الطريق (الذل والهوان) والسودان توشك على التمزق وكذا اليمن، وأنياب التمزيق الحادة توشك أن تنغرز في جسد مصر ما بين مسلمين وأقباط، وقد تمزق جسد المغرب العربي ما بين معغرب وبوليساريو، وتمزق جسد العراق بين الطوائف والطائفية (حسب أوامر السيد الأمريكي) الذي (شاء) أن يمنع أكثر من 500 سني من التنافس في الانتخابات، وتمزق جسد لبنان، واحتلت بوارج الاستعمار وطائراته ودباباته الخليج وأرض العرب... وهنا تجسدت القاعدة الذهبية (فرق تسد)، نعم لقد سادوا بعد أن نجحوا وينجحون في تمزيقنا... فهل مؤتمر القمة الذي سيعقده العرب في ليبيا ما يرقع كيانهم؟؟... يا(ريت)!!!

