الثلاثاء 13 يناير 2026 الساعة 08:08 م

مقالات وآراء

محمد بلور

مراسل إذاعة صوت الأقصى
عدد مقالات الكاتب [27 ]

لا تطربوا للحن… احفظوا الأمانة

حجم الخط

لاحظتُ حجمَ التفاعل الكبير مع هذا المقطع الإنشادي الذي صدر إهداءً لروح الأستاذ الكبير الشهيد عصام الدعاليس (أبو معاذ)، رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة.

لا تكاد تمر ساعة في أي مجلس بغزة، خاصة في أوقات الأزمات والحروب، إلا ويُذكر عطاءُ وحكمةُ هذا الرجل، الذي شكّل نموذجًا جميلًا للإسلام الحضاري والمنهج التنويري في معاملة المسلم لأخيه المسلم، بل وفي معاملة كل أبناء وطنه.

أبو معاذ مبدع في العمل الإداري والاقتصادي، محلُّ إجماعٍ كامل من أبناء وأطياف شعبه، ومن أسرة عريقة تنال سمت الالتزام الديني والعمل الوطني الدؤوب. وهو شقيق الأستاذ نجيب الدعاليس، والإخوة أديب، ورأفت، وفريد، ومحمود، وبقية أشقائهم الكرام.

كنتُ كلما مرّت أوقات عصيبة في هذا العدوان المتواصل تذكّرتُ هذا الرجل، الذي لم يُغلق هاتفه أو باب بيته في وجه أحد لسنوات طويلة.

أبو معاذ، إن عجز عن تلبية حاجتك، لا يتجاهلك، بل يساعدك بأقل القليل. وهذا النموذج شكّل حالةً خاصة في عالم كبار وقادة العمل الوطني والحكومي والسياسي. وبقدر الله، وصلت أعماله الطيبة وسيرته العطرة إلى كل أبناء شعبه في الداخل والخارج، وهو مؤهَّل لقيادة مهمة في القطاع العام والمجال الوطني المستقبلي؛ لذا تمّت تصفيته بالاغتيال مبكرًا. وهذه استراتيجية الاحتلال في التصفية، إذ تُجهِز على كل شخصية تشكّل محلَّ إجماع وتلتف حولها الجماهير طوال عمر الصراع منذ بدء الاحتلال. ويؤيد ذلك نماذج قيادية وطنية وثقافية وسياسية كثيرة رحلت مبكرًا، مثل ناجي العلي، وغسان كنفاني، وحسن سلامة، وأبو جهاد، وأبو إياد، وقاطرة طويلة؛ كلهم رحلوا في عزّ العطاء والعمل، ونالوا محبة وثقة الشعب بإبداعٍ متعدّد.

كلمات الرثاء والتأبين للأستاذ عصام حقيقية وصادقة وغير مبالغ فيها مطلقًا، لكننا في هذه المرحلة من انتكاسة العمل الوطني والسياسي والاجتماعي بحاجة إلى نماذج مثله تشكّل رافعة وطنية واجتماعية، على وجه الخصوص.

القائد ليس موظفًا رفيعًا… القائد ليس سياسيًا فقط… القائد ليس مجرد شخص على رأس عمل مهم… القائد تفرزه الجماهير، ويكتسب حضوره وقوته من محبة الناس وإيمانهم بنجاحه وقدرته على التأثير والإقناع.

القدوة العملية هي التي أكسبت هذا الرجل وأمثاله هذا الحضور والتأثير. وبداية التصويب تبدأ من الاعتراف بالخطأ، وتجديد العمل وفق الصدق والأمانة، وفقه الواقع، والتحرر من الأيديولوجيا المغلقة، والانحياز الحزبي المقيت، والتربية التنظيمية الفاسدة التي عزلت الناشط في هذا الفصيل الوطني عن رفيقه وشقيقه في فصيل آخر، تحت شعار: «نحن الجنة والآخرون جهنم».

الناس لا تحتاج إلى تجميل الأخطاء الكارثية منذ ٧ أكتوبر، ولا نحتاج إلى تمجيد الموت، ولا نحتاج إلى خطاب الصبر المطلق والتضحية العظيمة التي شرّف الله بها أهل غزة وساحل عسقلان، الذي يكرّر خطباء الجمعة الحديث عنه منذ شهور بخطاب مجتزأ يتجاهل الواقع في معظمه.

الناس تحتاج إلى كسر مشجب الاحتلال والمؤامرة التي يبرّر بها كثيرون عجزهم وعقمهم الفكري والسياسي. الناس بحاجة إلى من ينقذها من المأساة الممتدة… الناس مع حل عملي يؤدي إلى علاج المرضى، وإيواء البسطاء، وحفظ كرامة الإنسان. وهذا لا يتنافى مع الإيمان بعدالة القضية الفلسطينية وطبيعة الصراع الطويل الذي يشتد الآن. ولسنا في مرحلته النهائية كما يقول بعض الشخصيات الدينية والإسلامية؛ فهذه آراء واجتهادات قد تخطئ، وتواريخ حسم الصراع في اجتهادها ليست مسألة حتمية نُسلِّم بها، بل المطلوب منا فهم واقعنا، وإجهاض مخطط التهجير؛ لأن كل تفاصيل العدوان والحرب مسخّرة لخدمة استراتيجية التهجير التي وقعت في الوعي، وتنتظر فقط المنفّذ والتوقيت.

دماء أبو معاذ، والكلمات الملحّنة في وصفه، هي دعوة لكل فلسطيني حرّ أن يكون له سهم في الأمانة والصدق والتصويب، أمام همٍّ وطني واجتماعي كبير ترك لنا حالةً تشبه الردّة الوطنية بعد نفاذ عقيدة الصدمة، وانتشار سرقة الصدقات والتبرعات لعشرات الآلاف من الفقراء والضعفاء على يد معظم المبادرين ومندوبي المؤسسات الأهلية والاجتماعية، ونحن نعيش وسط جيش من الأيتام والأرامل والجرحى، وأصحاب منازل وأملاك دمّرتها الحرب.

لا تطربوا للألحان… احفظوا الأمانة.