الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 01:21 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

السيادة سكر زيادة

حجم الخط

بقلم: د. أحمد نوفل

 

كان القائد الرمز كثيراً ما يردد :'الديموقراطية الفلسطينية سكر زيادة' يريد أنها متفوقة على كل ما سواها، تبز ما عداها. وفي 'تحليل الخطاب' غالباً ما يكون كثرة ترديد الشيء والتأكيد عليه، مؤشراً على عمق التشكك، وعدم الصدق مع الذات، أو الشك في أن الآخرين لا يصدقون، لعظم الفرية، أو ما شاكل.

 

وهذه بالضبط حكاية السيادة العربية. أو قصة إبريق الزيت العربية فكلما دق كوز في جرةٍ، كشر العرب عن أنيابهم، وزمزموا وهمهموا وتمتموا ثم ترجموا: إنها السيادة العربية! ونحن نشك في الحكاية من أصلها. وهم يعلمون ما نعلم. ونحن نعلم أنهم يعلمون ما في نفوسنا نحو هذه الدعوى التي لم يقم عليها دليل يتيم.. ولأنهم يعلمون فإنهم يؤكدون، تماماً كما حدثنا القرآن عن أضرابهم: 'اتخذوا أيمانهم جنة..' 'يحلفون لكم..' 'وأقسموا بالله جهد أيمانهم..' كل هذا لأنهم يشكُّون، ويشكُّون أنّا نشكُّ فيهم!

 

وتجددت حكاية السيادة في موضوع قافلة شريان الحياة3 المتجهة إلى مناصرة أهلنا في غزة، الذين هم رمز الأمة، وطليعتها، والنجم الهادي في ليلها.. فماذا كان موقف الأمة أو 'لوادر' الأمة.. جمع 'ليدر'؟ أعجمي معرب أو يعربي معجم، اللفظ يعني..

 

ذهب البطل المغوار الفدائي المقدام، وهذا بعض حقه وبعض وصفه، ذهب جالاوي (ابن جلا)، ذهب لمقابلة القنصل المصري في العقبة، فطفق 'يسمّع' الدرس المحفوظ في دفتر المحفوظات، وحُفظ من كثرة ما كرر وسمّع.. فقال: إنها السيادة المصرية تأبى أن تمروا من نويبع.

 

والواقع يكذب كل حرف في هذه الدعوى، فأولاً نويبع مصرية.. حصرياً لا شركة فيها لأحد، فيما نعلم.. فما وجه أن يردوا عن الحد الذي هو جزء من السيادة ويعادوا إلى الحد الذي يمر من أمام إسرائيل؟ بمعنى مظنة الاشتراك في السيادة! لو كانت السيادة حقيقية وكاملة الأوصاف ما رددت زائر بلدي التي كتب على حدودها: 'ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين' وأنا الذي أكتب هذه الكلمات، وأحب مصر أكثر من كثيرين. لم أتمكن من دخولها منذ عشرين سنة. فلمن هذا الشعار مرفوع؟ ولست إرهابياً ولله الحمد ولا متطرفاً ولا متشنجاً ولا منغلقاً ولا متحجراً ولا متزمتاً، ولا من جماعة الغلو، ولست حوثياً.. ولا قاعدياً ولا حامضياً.. ولا..، ولا أحسب على أحد، ولا يقبل أن أحسب عليه أحد، فلماذا المنع إذاً؟ إنها السيادة.. وزيادة! وعلم الله أني لا أعلم سبباً إلا إيماني بسيادة العرب على أرضهم!

 

فرد عليه جالوي يكتم غيظاً يكاد ينفجر بركاناً في داخله: إنه فعلاً ما نتمناه لمصر، أن تمارس سيادتها، لكن على الجميع، بمن فيهم نحن وأمريكا وإسرائيل!

 

هل لا برهان على السيادة إلا في خنق الأشقاء؟! بئس البرهان! وهل لا تثبت السيادة إلا بالنكد؟ إن مثلكم كمثل الأب الذي يظن أن أبوته بل رجولته لا تثبت إلا بضرب أولاده وأمهم دون سبب، وهو خارج البيت لا يحسن التصرف.. طبعاً ولا داخله! هل السيادة أن يرد المناصرون لمصر..؟ لأن من نصر غزة ينصر مصر، أن يرد هؤلاء ليتجشموا جهداً ومشقة وتكاليف ووقتاً؟ وهل السيادة يا أخ أحمد أبو الغيط أن تهدد بأن كل من يصل بعد 3-6 يناير لن تفتح له الحدود.. أبداً.. مهما تكن الضغوط؟ طبعاً لأن الضغوط من الإخوة والأصدقاء والمحبين لمصر كتركيا وكل المسلمين لا تهز فيكم شعرة، إنما الضغوط المعتبرة ولو بغمزة عين هي من أمريكا وسيدتها إسرائيل! وهل السيادة في نظريتك العظيمة بتكسير أرجل أهل رفح؟ فاكر يا سيادة (المكسراتي)؟

 

ثم هل من تفسير لزيارة نتنياهو لمصر في اليوم التالي لرد القافلة؟ هل هو لشكر مصر؟ هل هو للتأكيد على التأييد؟ ثم لو قال نتنياهو إنه يريد القدوم لمصر عبر إيلات فطابا كانت ترده مصر؟ وتقول له: سيادة؟

 

يا أسيادنا ألصالح مصر ما تباعدون مصر عن أشقائها؟ ألسيادة مصر تفردونها عن إخوانها؟ ألمنعتها وعزتها تقطعون حبال المودة عنها؟ ألم تكن مصر قائدة تحرر كل دول العالم العربي فما بالها بكم غدت تقود الرجعية العربية التي قاومها النظام المصري طويلاً؟ ما الذي قلب المواقف؟ وعجيب موقف بعض المتحدثين 'كنصّار' (هو من أصل فلسطيني) إذ يصرخ ويقول: (هو الشعب الفلسطيني عايز أيه من مصر)؟ يا جدع! الشعب الفلسطيني لا يريد لمصر إلا الخير ولا يريد من مصر إلا أن تخْلى بينه وبين العدو؟ لا تزرعوا الأحقاد كما صنعتم في يوم داحس الكرة وغبراء القدم!

 

ثم إذا كانت السيادة هي الدافع لكل هذا التنطع والتشدد فإن فهمكم للسيادة مش زيادة.. لا.. وإنما قوي! بل لافهم بالمرة. السيادة لا تكون إلا بحقوقها من نصرة للأخ لا تعويق من ينصره! ثم لماذا تطلبون تصريحاً مفصلاً بكشوف الأسماء وبما يحتوي كل طرد؟ إذا كنتم أنتم ستعاينون على الحدود.. فنظركم كفاية! أما إذا كان المقصود أن تصل الكشوف إلى أياد أخرى!؟ فتلك قضية أخرى لا صلة لها بالسيادة. ثم لماذا تكرر طلبكم بضرورة الدخول من كرم أبو سالم؟ وقد تكرر هذا مع الحملة السابقة؟

 

باختصار دعوى السيادة مشروخة مجروحة غير صادقة ولا يثبتها برهان ولا دليل!

 

والزعبرة ورفع الصوت لا يثبت السيادة بل هي مؤشر على انعدامها وإظهار السيادة على الطرف الضعيف المحاصر لا يثبت السيادة، إنهما تثبت السيادة في اتجاه معاكس تماماً بتحدي أعداء الأمة وهم تحديداً الأمريكان وإسرائيل! السيادة في هذا الوقت لا برهان عليها إلا أن نرى منكم أحداً ينصر الأقصى وإلا فلا سيادة.

 

وحتى تكتمل تمثيلية السيادة وزيادة، استعان أصحاب السيادة بسماحات رجال الدين، مجمع البحوث، ومشيخة الأزهر، ووزير الأوقاف فأفتوا أن الجدار الفولاذي (حلال ميت)! وأتحدى إن كان المفتون (بضم الميم طبعاً) يعرفون أين تقع غزة، أو ما الذي يجري لها أو عليها! وأين يقع الجدار الفولاذي؟ وما هدفه؟ أهو قرب سور الصين العظيم أو بجوار 'النهر العظيم' نهر الأخ..؟ والحكم على الشيء فرع عن تصوره، هكذا علمتم يا علماء(..)! فإن كنتم لا تتصورون فكيف تحكمون؟ وأرجو أن تقرأ أيها القاريء مقال الأستاذ هويدي أمس لتفهم كيف تم استصدار البلوى أقصد الفتوى!

 

ثم لماذا الزج بالدين في معمعة قذرة ومستنقع موبوء منحط؟! ألم يقل قائلكم قبل أيام على الفضائيات: السياسة ليس لها دين ولا أخلاق، فلماذا 'تستخدمون' رجال الدين؟ أما كفاكم الإساءة لمصر فتريدون الآن الإساءة إلى الدين؟ يا أيها السادة والقادة أو من يمثل دور السيادة إن الذي مثل دور صلاح الدين ليس صلاح الدين! ولا من مثل دور السيادة حتى لو اندمج في الدور غير الذي يملك السيادة حقيقة. مفهموم يا سادة بلا سيادة؟!