الإثنين 12 يناير 2026 الساعة 04:12 م

مقالات وآراء

ألا تستحق وساما ً

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

ستتفقون معي أنها تستحق الوسام !!

 

في بيت من المخيم ولدت، لأبٍ عامل بسيط، يعاني من خشونة في الركب، و لأمٍّ لم تجلس يوما على مقعد الدرس كالكثير من الفلسطينيات اللائي أ ُخرجن قهراً من بلادهن و هن صبايا .. كانت الطفلة نحيلة و إلى الهدوء أمْيَل ، أنهت المرحلة الإبتدائية ، فالإعدادية ، تقدم لها ابن خالها وهي في السادسة عشر .. فرحت أنها ستترك روتين المدرسة و الانشغال بالمذاكرة ، وافقت .. تزوجته شابا معدَما يكبرها بست سنين ، أحبها ، أحبته ، وجدت فيه أباها أو أخاها الكبير ، و الفرق أنها معه تتكلم و تضحك و تعبر عن سعادتها و رغباتها ،  فيلبي كل ذلك برضا و سعادة ، قبل أن تتم السابعة عشر صارت أما ، و هو يلقـِّط – كالعصفور – رزقه ، نعم ، كان في معظم الأيام لا يكسب قرشا ، و لكن يكفيها ما تجد بجانبه من سعادة ، فتصنع له من لا شيء طعاما ، طرده أبوه من غرفته الضيقة ، فزوجة أبيه ليست معجبة به ، رغم حصوله على شهادة جامعية من بلد عربي ، لم ينفق أبوه على تعليمه إلا الملاليم ؛ فأكل بالحد الأدنى و لبس بالحد الأدنى ، و أقلامه و دفاتره و كتبه  بالحد الأدنى أيضاً ، لم يجد وظيفة ، وضعت مولودها الثاني قـُبيل أن تـُطرد و زوجها ، فوجدا  بيتاً أشبه بكوخ من الصفيح الصدء ، كبـُر همه ، ساقته قدماه إلى صديق ، خرج من بيته ( عنصرا ) من عناصر أحد الأجهزة ... و بشهادته صار ملازما أول ، أخلص في عمله ، ابتسمت له الدنيا و لم يبتسم لها ، انتقل إلى بيت أحسن حالا ، جعلته مرتبا نظيفا ، نعم هو متواضع ، وضعت مولودها الخامس ، بنيـَّة صغيرة كالشهد ، مضى على زواجها ست سنوات ... تقول : لم يربـِّني أبي و لا أمي ، هو الذي رباني ، أجبرني أن أدرس ، فتحصَّلتُ على الثاني ثانوي ووقفت بعناد لا أريد التوجيهية ،  يكفيني أنت و الأولاد !! قال لي : لا آمنُ عليك غدر الزمان .. الشهادة سلاح يا ( هبلة ) ، قد أموت غدا .. يجب أن تجابهي الحياة بعدي ، هل صرت ضابطا لو لم أحمل شهادة ؟ كدت أقتنع .. ولكنني عاندت بدافع خوفي عليه ! أصر ، درسْت ..إلى أن جاء اليوم الموعود الذي كان ينتظر ، و يـُكثر من الحديث عنه ، كان في مكتبه مع زميل له يقلبان في مسدس ، تناوله زميله ، ضغط ، خرجت رصاصة قاتلة .. وجاءوا  لي به غارقا في دمه و قد فارق الحياة ... حزنت ، ولكن بعد أيام قلائل أخذتُ ألتهمُ الكتب ، أسمعه يلحُّ عليَ بالدراسة ، يحفزني ، يؤمن بي ، استعجلت الأيام ..أريد أن أسعده ..أقسمتُ أن أحقق ما يريد ، أن يعيش أولاده بكرامة و عفة ، لا يعانون هوان الحرمان ، فجعلت من ذلك رسالتي ... لم يسمعوا مني ( آه ) ، و لم يروا مني ( دمعة ) ... نجحتُ في الثانوية ، تقدمتُ للجامعة ، و لأنني أرملة شهيد لم أدفع رسوما ، لبس أولادي أجمل الثياب ، وأكلوا خير الطعام ، زرعتُ فيهم ما زرع في قلبي من مثـُل و مبادئ .. كان يتمنى أن يرى أولاده رجالا يفدون الوطن .. يحفظون القرآن .. يشاركون الناس أفراحهم و أحزانهم ، فعملتُ لذلك حتى حققتُ له فيهم ما تمنى ... كنت في الثانية و العشرين عندما فارقني ..لمحتُ في عيني والدي – ذات ليلة – رغبة في أن أستأنف حياة زوجية أخرى ، فأنا – على حد قوله – صبية و جميلة ! شعرت أن سكينا قد انغرز في صدري ؛ فقلت : آه ، و أجهشت بالبكاء ،  و لم أعد إليها ، كما لم أعد إليه إلا بعد شهرين أو ثلاثة ، لقد أهانني ،  لقد تزوجت ابن خالي و لن يحلَّ أحد مكانه ، لقد ترك لي أربعة أبناء و بنتا ، ماذا أريد أكثر ؟ أنا سعيدة جدا ، لماذا يملأني أبي بالغم ؟؟ عاتبتني أمي ، فلم أغفر لأبي ! قال الناس : إن كان هذا مع أبيها فلن يجرؤ أحد أن يحدثها ، كنت أشعر بسعادة مكتومة لذلك ، قلت لزميلتي ذات يوم : لا يمكن أن تظل سفينة الحياة سليمة من غير عطب ، فهل نغرق معها إذا ثـُقبت ؟ إذن لابد من ترميمها .. وقد كان .. لقد ثـُقبت سفينة حياتي ، و لكنه علمني كيف أسدُّ الثقب و الإبحار..أنهيتُ دراستي الجامعية ، و سجلتُ للماجستير ..أنهيتُ هذه المرحلة في أقل مدة ..كبُر أولادي و صاروا رجالاً ، و كما يريد .. يحفظون القرآن .. يرابط كبيرهم مع المرابطين ، تعوَّد أن يكرم ضيفه و ألا يقطع أحداً من أرحامه حتى زوجة جده .. تقدمتُ لوظيفة جامعية .. حصلتُ عليها .. أنا سعيدة بما أقرأ و أكتب وأبحث ..ألتمس الطريق إلى الدكتوراة ..يساورني إحساس أني أم الجميع ، حتى أساتذتي .. كل نجاح أحققه أقف أمام صورته و أضاحكه ( كويِّس هيك؟ )  فأسمعه يقول : استمري ولا تتوقفي .. أربت على خده .. حاضر ولا يهمك .

 

فتحتُ بيتي للمرأة .. حملتُ همها .. تغمرني سعادة كبيرة كلما أعدتُ الحياة لبيت تكاد الحياة تهرب منه .. بعض الرجال لا يدركون أن للمرأة إرادة ، لم أكلف نفسي أن أشرح ، يكفيني أنه هو يدرك ذلك....