الخميس 01 أكتوبر 2020 الساعة 03:49 م

مقالات وآراء

جدلية الشرعية على الساحة الفلسطينية

حجم الخط

كان من بين النقاط الرئيسة التي توصل إليها اجتماع اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي انعقد في مدينة رام الله يوم الاثنين 4/6 أن 'اللجنة التنفيذية تؤكد على شرعية الأجهزة الأمنية المحددة وفق القانون و رفض تشريع أي قوى أخرى تحت ضغط الفوضى و الفلتان و تخريب الأمن الداخلي '

 

والمعروف أن اللجنة التنفيذية تريد أن تعيد موقفها القديم المتمثل بعدم شرعية القوة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية في الحكومة العاشرة . هذا الموقف يبدو أكثر وضوحا من مجموع نصوص القرارات الصادرة عن اللجنة التنفيذية بخصوص القوة التنفيذية , كما حدث في الاجتماع قبل الأخير المنعقد في رام الله بتاريخ 16/5 حينما فسر الاجتماع حالة الاقتتال الداخلي حينها بأنه محاولة '.. لفرض دور المليشيات التابعة لحماس المسماة القوة التنفيذية و كأنها  قوة الأمن المشروعة '

و زاد على تلك النصوص دعوة عزام الأحمد و ياسر عبد ربه – و هما عضوين في اللجنة التنفيذية – إلى سحق القوة التنفيذية و العصيان المدني حتى إنهائها .

 

وفي مقابل هذه المواقف و التصريحات تؤكد الحكومة و حركة حماس على قانونية و مشروعية القوة التنفيذية باعتبارها جزء من الأجهزة الأمنية الفلسطينية  وجاءت بموافقة الرئيس عباس

 

لن أدافع في المقال عن أي من الموقفين من القوة التنفيذية  لان الموضوع اكبر من القوة التنفيذية وغيرها ؛ بل أنها حالة من الجدلية المتواصلة والمستمرة والشاملة للشرعية على الساحة الفلسطينية , وصراع على التمثيل بين قطبي العمل السياسي في فلسطين , وتدافع بين من احتكر الشرعية  منذ ما يسميه الثورة و بين من دفع به نتائج الانتخابات ليشارك في التمثيل الشرعي.

 

حالة الصراع هذه والجدل المستمر على الشرعية مضاف إليه اختلاف البرامج  , وغياب الرؤية المشتركة للحالة الفلسطينية والتعامل مع قضاياها المختلفة هو احد أهم دوافع الاقتتال الدموي الذي ينشب بين الفترة و الأخرى بين الفرقاء الفلسطينيون.

 

والمعضلة الأساس تكمن في استمرار حالة الجدل هو ادعاء التمثيل الشرعي و الوحيد لمنظمة التحرير الفلسطينية . و هي حالة صارخة على رفض الأخر وعدم شرعيته و ذلك عندما يعطف كلمة ' الوحيد ' على كلمة 'الشرعي' و كأنما ما عدا تلك القوى و الفصائل المنضوية تحت عباءة المنظمة غير شرعية  في تمثيلها حتى و لو أعطتها الانتخابات التشريعية الثانية الأغلبية المطلقة !

 

والواضح أن منظمة التحرير و التي احتكرت الشرعية لفترة طويلة متركزة على الدعم العربي و القبول الدولي بها و انضمام عدد من الفصائل لها لم تكن لتفكر أن ينازعها في الشرعية احد , أو حتى أن يشاركها في الشرعية من لا يلتزم ببرنامجها و يعترف بقيادتها للعمل الفلسطيني ؛ و لذلك ظلت تعطف لفظة ' الوحيد' بعد 'الشرعي' و لم تدرك أن عوامل ' تعرية الشرعية ' قد فعلت فعلها  و نالت منها و من 'وحدانيتها '

و حتى لا يكون كلامنا تجنياً على أحد أو اصطفافا لجانب فريق بعينة , وحتى يكون الحديث موضوعيا نستعرض أهم أسباب ضعف الشرعية التي تحدث للأنظمة السياسية أو الحركات التحررية أو التجمعات الإنسانية , والتي تحدث عنها كبار علماء الاجتماع السياسي لنرى مدى انطباقها على واقعنا السياسي ليس بهدف القول أن المنظمة لا تعتبر شرعيا و إنما للقول أنها ليس الوحيدة في التمثيل الشرعي .

 

يقول علماء الاجتماع السياسي أن الشرعية تضعف حينما تنمو جماعات جديدة تحمل برامج مختلفة عن تلك البرامج التي يحملها محتكر الشرعية , و يصاحب ذلك التفاف جماهيري واسع حولها. و هذه الحالة قد حدثت بكل وضوح في ساحتنا الفلسطينية و قد بدت بلونها الفاقع بعد نتائج الانتخابات التشريعية الثانية.

 

كما أن تواصل إصدار المخرجات السياسية غير مقبولة جماهيريا يعمل على تهاوي الشرعية و منظمة التحرير وقعت في هذا الأمر حين وقعت اتفاقية أوسلو رغم المعارضة الكبيرة له ؛ خاصة انه لم يعرض للاستفتاء الجماهيري . و مع ذلك استمر إصدار هذه المخرجات الغير مقبولة , و تم توقيع اتفاق القاهرة و اتفاق و اتفاقية باريس الاقتصادية و طابا و ' واي ريفير' و غيرها وصولا لخارطة الطريق و ما تلاها من مشاريع .

 

و من عوامل ضعف الشرعية انهيار فاعلية النظام السياسي لمدة طويلة , وعدم المقدرة على تحقيق الوعود و الأهداف الكبرى كالتحرير و التنمية و الازدهار , و معروف أننا كفلسطينيين ما زلنا نعيش تحت الاحتلال في الوقت الذي بات معظم الفلسطينيين تحت خط الفقر .

 

ومرتبطة بالعامل السابق من عوامل ضعف الشرعية هو انحسار هيبة السلطة الناتج عن عدم التمكن من تحقيق أهدافها كسلطة سياسية بسبب ضعفها الحادث من عوامل خارجية كأن تدخل حربا و تخسرها , أو من عوامل داخل كيان السلطة مثل عدم كفاءة أجهزة السلطة وعدم المقدرة على حل مشاكل المواطنين . و المنظمة قد اجتمعت عليها عوامل الضعف الخارجية و الداخلية كما هو مشاهد على الأرض واقعا .

 

كما أن الشرعية تكون في أسوء حالاتها عندما تقع في أيدٍ فاسدة و هذه الحالة أوضح من أن يتم جلب القرائن و الأدلة عليها و يكفي أن نحيل القارئ على مقابلة عدلي صادق عضو المجلس الثوري لحركة فتح على 'موقع الجزيرة نت ' و المعنونة بـ 'فساد فتح بالمليارات' .

و يرتبط بالعامل السابق من عوامل تأكل الشرعية عامل أخر هو عدم مطابقة النظام الموجود مع الصورة التي تتكون في ذهن الناس عن الحاكم الصالح و السلطة الصالحة .

 

و مما يعمل على هز الشرعية هو غياب القيادة ' الكاريزميا' التي تمثل 'الرمزية الوطنية' للنظام ؛ وهو ما حدث للمنظمة بعد غياب ياسر عرفات , أو ما عبر عنها تيسير نصر الله عضو المجلس الوطني الفلسطيني 'بغياب الشرعية التاريخية التي ملأها شخص ياسر عرفات '.

 

و لمجمل الأسباب السابقة ضعفت شرعية منظمة التحرير كشرعية وحيدة لا ينازعها بها احد , و توج هذا الضعف بنتائج الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في 25 كانون الثاني من العام المنصرم . حيث حصلت حماس التي لا تمثيل لها في المنظمة على الأغلبية المطلقة , ودخلت بذلك باب الشرعية من أوسع أبوابه وهو 'الرضي الشعبي' عبر الاختيار الطوعي لهم تمثل بانتخابات حرة و نزيهة .

 

لا يجب أن يفهم من مجمل ما سبق أننا نزع ثوب الشرعية عن منظمة التحرير الفلسطينية و نلبسه لحركة حماس , و إنما هي دعوة لكسر احتكار الشرعية لأحد كان من كان , و البحث عبر حوارات إستراتيجية معمقة عن آليات لشراكة حقيقة تشمل جوانب العمل الفلسطيني المختلف ؛ بعيدا عن استدعاء معطيات من الماضي عملت به العوامل عملها و لا الارتكاز على معطيات جديدة يحسب البعض أنها تمنح حق قيادة الوطن لوحده ذلك أن الوطن لن يقوده بعد ذلك طرف دون طرف و حتى أن هذه الحالة ليست خاصة بفلسطين فالعراق و لبنان خير شاهد فعصر احتكار الشرعية و السلطة انتهى إلى غير رجعة و يجب البحث عن البديل الوطني الممكن الذي يخدم مسيرة التحرر و الانعتاق للشعب الفلسطيني .