بقلم: تامر الشريف
حشدٌ إعلاميٌ كبير منذ أكثر من شهر، وتعبئة جماهيرية وشعبية منقطعة النظير، واهتمام على الصعيد الرسمي والشعبي لم تشهده وسائل الإعلام العربية لفترة طويلة، وجبهات جديدة فُتحت في أكثر من ميدان لما سمي 'بالمواجهة القادمة', وقد سخرت لها كل الطاقات والإمكانات المادية والبشرية، ولم تُستثن وسيلة للتأثير وأخذ دورها في مباراة حاسمة بين شقيقتين للوصول إلى نهائيات كأس العالم .
في المقدمة أخذت الفضائيات زمام المبادرة من خلال حملة التصعيد الإعلامية الموجهة دون أن تقف عند حدود أو ضوابط ، ودون أن تلتزم بمعايير مهنية تستوجبها مثل هذه الظروف، وتركت الباب مشرعا أمام المشاركين الذين استضافتهم ليشعلوا القلوب ويزيدوا من درجة التوتر والاحتقان والتعصب الأهوج اللامسئول، ولم تؤثر مكانة بعضهم الاجتماعية والسياسية على لغة حديثهم التي كانت تتطلب تهدئة وعقلانية وحكمة.
دعوات للجاهلية الجديدة بثت على الهواء مباشرة تخللتها اتصالات ومداخلات ورسائل بالجملة تحمل أقذع الألفاظ من الشتم والتجريح والقذف، وادعاء بالوطنية والانتصار للكرامة ،و تسييسٌ بغيض لمباراة قد تنتهي بما لا يتمناه أحد .
تلتها مئات المنتديات والمواقع عبر شبكة الإنترنت و التي يرتادها ملايين من الشباب العربي الذي انحرف بثقافته وأخلاقه إلى لغة وضيعة معبأة بالأحقاد والشتائم نخجل عند قراءتها، ونعجب من أسلوبها الدونيّ المعبّر عن انحطاط في الخطاب والحوار بين أشقاء تجمعهم اللغة والدين والتاريخ .
ثم عكفت العقول على ابتكار وسائل جديدة 'للمعركة القادمة' لم تستخدمها من قبل، حيث امتلأت المواقع بمقاطع الفيديو عبر اليوتيوب يحمل بعضها الاستهزاء والتحريض والسخرية
،و تفتقت ألباب الشعراء بالقصائد والأغاني الجديدة واللوحات الفنية والصور المبتكرة، وتفرغ رسامو الكاريكاتير للتفكير برسومات جديدة تحقِّر من إخوانهم وتصفهم بما لا يليق بهم دون أن يجدوا من يزجرهم ويمنعهم من الاستمرار والتمادي.
ولم ينس كتَّاب الأعمدة في كبرى الصحف العربية التطرق لهذه الجولة الحاسمة، فأشغلوا أنفسهم والقراء بقضايا هامشية أنستهم قضايا أمتهم اليومية، ومثلهم المؤرخون الذين استذكروا وقائع سابقة استحضروها من عمق التاريخ أظهرت فضل بعضهم على بعض.
لم يغب أحد عن ميدان المعركة الوطنية القادمة بشعار 'نكون أو لا نكون'، كلٌ يدلو بدلوه في يوم لا مكان فيه للضعفاء كما يعتقد البعض!
العجب !!!! أن هذه الضجة التي يزداد صوتها ويعلو كلما اقتربنا من ساعة 'الحسم' لم تكن لأن تقرير غولدستون سحب من مجلس حقوق الإنسان ، ولا لأن المتطرفين الصهاينة يستعدون لتدنيس المسجد الأقصى واقتحامه، وليست استجابة لاستغاثة مئات العائلات المقدسية ستقضي شتاءها خارج بيوتها التي هدمها الجيش فوق رؤوسها .
ولم يكن هذا الكرنفال الإعلامي ضمن فعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009، أو ضمن فعاليات عربية وأوروبية لرفع الحصار عن غزة ، أو كجزء من تحركات شعبية لإدخال كراسٍ متحركة للمعاقين وألعاب أطفال جديدة أو لإخراج مرضى وطلاب من غزة.
لم يكن كل هذا الزخم الشعبي وهذه الطاقات البشرية الهائلة والاستنفار الرسمي وتحريك الرأي العام لوقف شلال الدماء في صعده والعراق وأفغانستان والسودان ، أو لدعم مبادرات الوحدة العربية ولم شمل المسلمين وإنهاء الانقسام، أو للمطالبة بوقف كل أشكال التطبيع وإلغاء اتفاقات ما يسمى بالسلام وطرد سفراء الكيان الصهيوني من قلب الدول العربية والإسلامية أو لمقاطعة بضائع ومنتجات من يدعمها ويقف إلى جانبها.
الغريب أن ما يحدث يتجاوز ما سبق ذكره من قضايا مصيرية لا تحتاج على ما يبدو إلى هذا الجهد والاهتمام والتخطيط العربي القادر على التأثير وقلب الموازين وفق إرادة نحتاج إلى من يبادر إليها ، ويبدو أن هذه القضايا لم تكن يوما على رأس أولويات المسئولين العرب وصناع القرار إلا فيما يحقق أهدافهم ويرفع عنهم الحرج أمام شعوبهم من خلال ممارسات دبلوماسية مألوفة لا تتجاوز الندب والاستنكار والشجب.
اهتمام غير مسبوق بقضايا ثانوية يجعلنا نتساءل ... كم من الأحداث الخطيرة والأخبار المفصلية مرت على وسائل الإعلام العربية دون أن تستفزَّها وتحرضها على الاهتمام والتغطية الأوسع ؟ وإذا كان الإعلام العربي الرسمي والخاص قادرا على إثارة الرأي العام وتأجيج المشاعر وقيادة الجماهير فلِمَ لا يستغل هذا السلاح في الاتجاه الصحيح و ضد العدو الحقيقي ؟ ولِمَ يتغافل في ذروة الأحداث التي تمر بالأمة المصيرية عن تغطيتها والاهتمام بها بينما يتكالب بنَهَمٍ على صغائر الأحداث ينفخ فيها ويؤجج من نارها.
أوليس دعم القدس وأهلها إعلاميا _على الأقل_ أولى من الاهتمام المُفرِط بجولة رياضية مدتها تسعون دقيقة وتنتهي ، أوليس التركيز على قضايا الأمة الرئيسية ضمن حملة إعلامية موجهة ومركزة ومنسقة بين وسائل الإعلام العربية أولى من الإغراق في تفاصيل أحداث لا تسمن ولا تغني من جوع، أوليس استنفار العقول والمواهب العربية وتركيز الدعم المالي والشعبي لنصرة المقاومة وتحرير الشعوب من تسلط المحتل أولى من هذا الهدر المجاني للفكر والمال و الانشغال بما لا يعود علينا إلا بمزيد من الحقد والكره والفرقة .
يبدو أن العرب لم يعد لهم مكان يتزاحمون فيه مع الدول الكبرى في عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي إلا هذا التنافس للوصول إلى كأس العالم ، ومن يدري ؟؟ لعل انتهاء هذه المباراة الحاسمة ستقربنا كثيراً من باحات المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه !!


