الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 04:37 ص

مقالات وآراء

غزة وسديروت والعكس: صمود وعجز

حجم الخط

 

التصعيد الذي شهده قطاع غزة خلال النصف الثاني من شهر أيار الماضي واشتعال جبهة غزة وسديروت أظهر مرة أخرى حجم الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني. فأكثر من مئتي غارة اسرائيلية وخمسين شهيداً ومئات الجرحى وعشرات المباني والمنازل والمزارع المدمرة لم تزد الغزاويين إلا مزيداً من الصمود والعناد ورفض رفع الراية البيضاء في مواجهة آلة القمع الاسرائيلية وفي السياق نفسه وإنما في الجانب الآخر أظهر التصعيد العجز الإسرائيلي الجلي والواضح وعمق المأزق واستنفاد كل الخيارات في مواجهة المقاومة، فالقوة منها وحتى المزيد والمزيد منها لم يجلب الأمن والهدوء والسلام لسديروت رغم إرضاء شهوة الانتقام عبر إيقاع المزيد والمزيد من القتل والتدمير في غزة.

 

 

 

الاستخلاصات والاستنتاجات والقراءات السابقة لمجريات الوضع على جبهة غزة وسديروت لا تلغي حقيقة وجود كثير من التفاصيل المهمة التي يجب التوقف عندها من أجل فهم أدق وأوضح وأعم وأشمل للتطورات الأخيرة وتداعياتها الاستراتيجية ليس فقط على جبهة غزة وسديروت وإنما على الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بشكل عام.

 

 

 

وبداية وقبل كل نبأ لا بد من فحص البيئة أو الظروف التي شكلت الحاضنة والخلفية لموجة التصعيد الأخرى دون إغفال أو تجاهل القاعدة الأساسية التي كانت صحيحة وما زالت وتتمثل في أن الاحتلال الاسرائيلي سواء بشكله المباشر في الضفة الغربية أو غير المباشر في قطاع غزة يشكل السبب أو الجذر لموجات التصعيد والتوتر في المنطقة بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص.

 

 

 

اندلع التصعيد الأخير منتصف أيار مايو الماضي بعد أسبوع من الاقتتال الداخلي بين حماس وفتح والأجهزة الأمنية التابعة لهما، موجة الاقتتال كانت دامية وقاسية جداً وخلال أسبوع فقط سقط قرابة الخمسين قتيلاً من الجانبين وتمّ استخدام السلاح بمختلف أنواعه وشهد القتال أشكالاً جديدة وغير مسبوقة كالمعركة التي جرت بعدما حاول عناصر من حماس السيطرة على موقع للأمن الوطني والحربي الرئاسي قرب معبر كارني (المنطار) للخروج من مستنقع القتال الداخلي الدامي والبغيض أعلنت حماس عن إنهاء التهدئة التي سادت في قطاع غزة منذ أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 ولم تنجح جهود الرئيس محمود عباس في انتزاع موافقة إسرائيل على امتدادها لتشمل الضفة الغربية أيضاً فبهذا الموقف انضمت حماس إلى الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية وكتائب شهداء الأقصى التي أصرّت طوال الوقت على حقها في الردّ على الخروقات والتجاوزات الاسرائيلية للهدنة وكذلك على ضرورة سريانها في الضفة الغربية أيضاً وهو الموقف الذي أصرّت حماس عليه نظرياً أيضاً قبل أن تعلن رسمياً قلب الطاولة ومحاولة فرض قواعد للعبة أو للصراع من جديد.

 

 

 

مهم جداً وملحّ أن يحتل الصراع مع الاحتلال رأس أولويات العمل الفلسطيني بأشكاله وتجلياته المختلفة ومطلوب أن يتم الخروج من مستنقع الاقتتال والخلاف الداخلي إلى ساحة الصراع الأساس مع الاحتلال الاسرائيلي إلا أنه غير المطلوب أن يأتي فتح جبهة غزة وسيدروت في هذ الوقت وبهذا الكم الكبير من التضحيات والعذابات والمعاناة فقط من أجل التغطية على الاقتتال الداخلي وهو الاسم أو المصطلح الحركي للاقتتال على السلطة وهو المصطلح الذي يتجنب الافرقاء الأساسيون استخدامه عند توصيف الخلاف والاقتتال الداخلي الذي كاد بل ولامس فعلاً حدود الحرب الأهلية. فهذا المعنى لتصبح موجة التصعيد الحالية نوعاً من اكتساب الشرعية الشعبية والجماهيرية للخوض في النزاع الداخلي جدير، ويصبح فتح جبهة غزة وسديروت مقدمة أو توطئة لفتح جبهة تل الهوى الرمال أو بيت لاهيا وبيت حانون من جديد. وحتى من حيث المبدأ ورغم أن الخروج من التناقض الداخلي إلى التناقض الأساس والرئيس هو أمر مستحب وضروري إلا أن ذلك وحده ليس كافياً.

 

 

 

فتح جبهة غزة وسديروت بهذا الكم الكبير من الضحايا يجب أن يأتي في سياق استراتيجية وطنية شاملة للصراع مع الاحتلال تحفظ بشكل أساس بناء أوسع مدى ممكن من التفاهم والوحدة الوطنية والتوافق على الإطار القيادي والمرجعية العليا ووضع الإجابات الصائبة والسليمة على الأسئلة الصعبة التي يطرحها الاحتلال المباشر في الضفة الغربية والصعبة جداً التي يطرحها الاحتلال غير المباشر في قطاع غزة.

 

 

 

الاستراتيجية الشاملة يجب أن تتضمن كذلك رؤى وتطورات تجاه الملفات الداخلية والوطنية مثل الفوضى الأمنية ودور حكومة الوحدة الوطنية في هذا الصدد، إضافة إلى منظمة التحرير وكيفية بنائها على أسس وطنية وديموقراطية شفافة ونزيهة، وضمن كل ذلك التصور الوطني تجاه التسوية والصراع مع اسرائيل وكيفية إدارته بطريقة تكفل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المصالح والمكاسب الوطنية بأقل قدر ممكن من الخسائر والأضرار.

 

 

 

للإنصاف يجب طرح احتمال أن يكون لدى حماس شكل من أشكال الخطوط العريضة لاستراتيجية كهذه وأن يكون قرار الخروج إلى الاقتتال الداخلي وفتح جبهة غزة وسديروت ليس أمنياً أو تكتيكياً بل يأتي ضمن سياق توجه أو رؤية استراتيجية تلحظ تكريس وفضح العجز الإسرائيلي في مواجهة المقاومة الفلسطينية وإجبار القيادة الإسرائيلية على الرضوخ للمطلب الوطني الفلسطيني بالموافقة على هدنة شاملة متوازنة ومتقابلة وثنائية في قطاع غزة والضفة الغربية تسهل وقف كل التصرفات الاحتلالية من اغتيالات وتوغلات واجتياحات واعتقالات ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة وتفكيك الحواجز في الضفة الغربية وتحويل الأموال الفلسطينية المصادرة لأصحابها الشرعيين مقابل وقف إطلاق الصواريخ من قبل المقاومة على المستوطنات والتجمّعات السكانية الإسرائيلية والتي أصبحت سديروت رمزاً لها والتوقف عن المقاومة المسلحة فقط مع المضي قدماً بكافة أشكال المقاومة الأخرى خاصة الجماهيرية منها.

 

 هذه الهدنة يجب أن تستغل فلسطينياً لإنجاح حكومة الوحدة الوطنية خاصة في ملفات إنهاء الضغوط الأمنية وإعادة منظمة التحرير ووضع آليات أو كيفية حسم الخلافات والتباينات الفلسطينية بشكل ديموقراطي وحضاري والنقاش وصناديق الاقتراع أيضاً إذا كانت حماس تفكر بهذه الطريقة فيجب أن ترفع القبعات ونقف جميعاً احتراماً لها وعليها وإذا كانت تصورات آثار الماضي قد ضاعفت ثقتها بنفسها سواء تجاه الصراع الداخلي مع فتح مع الأسف الشديد حققت حماس المكاسب التكتيكية حيث أن لا رابح حقيقياً واستراتيجياً من الصراع والاقتتال الداخلي أو تجاه الصراع مع إسرائيل حيث أثبتت تطورات النصف الثاني من أيار الماضي أن موقف حماس مركزي ومرجح سواء باتجاه التهدئة أو باتجاه إنهائها والخروج منها، غير أن هذه الثقة وهذه النجاحات يجب أن لا تنتقل إلى مربع الغطرسة والعنجهية فبإمكان حماس أن تشكل العمود الفقري للمشروع الوطني سواء في بعده السياسي أو بعده الميداني والعسكري غير أن ذلك منوط ببناء تكتل وتحالف وطني حقيقي سواء داخل حكومة الوحدة الوطنية أو خارجها في منظمة التحرير أو أي أطر وطنية أخرى خاصة في ظل رفض الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية المشاركة في حكومة الوحدة وإصرارها على شراكة سياسية ووطنية حقيقية خارج إطار المحاصصة والاستثناء الفئوي والتنظيمي.

 

 الأحداث على جبهة غزة ـ سديروت أكدت كذلك على وجود كم كبير من السلبيات الاسرائيلية التي يجب على الفلسطينيين بذل أقصى جهد لاستغلالها والاستفادة منها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر افتقار إسرائيل للقيادة السياسية والعسكرية القادرة على استنباط وخلق رؤى وحلول خارج الخضوع والاستسلام لمنطق القوة أو اندثار قدرة الردع الإسرائيلية وتدنّي المعنويات الوطنية خاصة في سديروت كل ذلك يجب أن يتم استثماره فلسطينياً لفرض الهدنة والانكباب على تحسين الأوضاع الداخلية خاصة في شقها الاقتصادي وكسر الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني والاستمرار في المقاومة الجماهيرية والجهاد المدني خاصة في الضفة الغربية وإعطاء مهلة حتى نهاية العام القادم لخيار التسوية وضرورة التوافق الوطني على الأساليب والخيارات البديلة التي من المفروغ منه أن تستند على خيار المقاومة، ولكن بأبعاده وتجلياته الشاملة والجامعة ووحدها الأيام القادمة ستثبت إن كان التصعيد الأخير سيأتي ضمن سياق انجازات فئوية وتنظيمية ضيقة أو ضمن استراتيجية شاملة تستند على الوحدة الوطنية والمصلحة الفلسطينية العليا كهدف يحكم كل التصرفات السياسية بأبعادها المختلفة الداخلية والخارجية.