بقلم: د. عطالله أبو السبح
مكة.. اسم عزيز على قلب كل عزيز ، ولا نامت عيون خائنة ، والعهد عند بيت الله ليس ككل عهد ، والميثاق هناك غليظ ، وخطير ؛ فالله شاهد ووكيل .. ذهبت إلى مكة بدعوة من خادم الحرمين ، كان الرجل مخلصاً ، حريصاً على لم الشمل ، ووقف النزيف ، وتخفيف الإحساس بالألم ، وإن أدرك أنه لا يمكن قطع دابره .. وكان لقاء بين عقول متباينة، وقلوب يسكنها الوجع ، وولاءات متنافرة ، وألسنة تختلف طولاً وعرضاً ، فيختلف ما يصدر عنها من كلام أو همس أو ابتسام ، ذهبت إلى بيت الله العتيق لرأب الصدع ، وإصلاح ما أفسد المفسدون ؛ من علائق ووشائج ، باعدت بين الفلسطيني والفلسطيني ، كما باعدت بين الفلسطيني وأفراحه وآماله ، زرعت الأشواك في القلوب بدل الأشواق ؛ دماء .. دخان .. قبضات حديدية (وقـَبَـضَيات) لهم قلوب لا يفقهون بها ، إلا لغة الدم (وحرقـِّـصهم خمسة بلدي) و(وحيات أبوك اللي بيشاركهم لأقل قيمتو) وذهبت وجراحك تثغب دماً ، كم من جريح ، وكم من ضحية ، وكم من ثكلى ويتيم... ذهبت بحثاً عن الوفاق ، وأنت تنشد الاتفاق ، والتقى لسانك بألسنة طالما شتمتك ، وقذفتك ، وأدانتك بما لم تقترف ! والتقت يمينك بأيمان مخضبة بدمائك ، وأصابع ضغطت على حنجرتك لتحبس أنفاسك ، ومخالب انغرزت في قلبك فانهمر دمك ، التقيت بعيون ماكرة مخادعة مخاتلة ، تريك الحق باطلاً والباطل حقا ، لا تكتفي بألا تبصر الحقيقة بل وتزيفها.. ولكنك ذهبت لعلَّ وعسى ، وحاورت ، وشكوت ، وأفصحت ، وعاتبت ، وأمَّلت ، ثم وصلت إلى اتفاق نص أول ما نص عليه الدم الفلسطيني ، فهو حرام حرام حرام ، فلا يحل لفلسطيني أن يقتل أو يجرح أو يؤذي فلسطينياً بجريرة أنه اختار له لساناً ، أو موقفاً ، أو موقعاً ، طالما أنه ليس بجاسوس ، أو مجرم يحترف قطع الطريق ، والترويع، والقتل كحرفة إذا أدانه – في أي حال القضاء - وعفا الله عما سلف ، مع التأكيد على اتخاذ كافة الإجراءات ، والترتيبات التي تحول دون ذلك .. كلام لو وزن بالذهب لرجح على الذهب . ماذا يريد هذا الشعب المنكوب غير هذا ؟ ولم تشأ أن تطالب – وهذا حقك – بالتحقيق لملاحقة من بدأ ، ومن فعل ، ومن أسرف ! وتركت الأمر لضمير التاريخ !! وما أحلي ما أكدت عليه مكة من أهمية الوحدة الوطنية ، فهي ( كما قالت ) أساس الصمود الوطني ، والتصدي لهذا المجرم المحتل ؛ دخلت الفرحة قلوبنا ، ومسحت دموع الثكالى ؛ فإن الهدف الذي مات – لأجل تحقيقه – وحيدها ها هو يبعث من جديد ، ورأينا السعادة تقفز من عينك ، وأنت تستمع لصاحبك وهو يؤكد على أن مما اتفق عليه هو اعتماد لغة الحوار كأساس وحيد لحل الخلافات السياسية في الساحة الفلسطينية ، ما أعظم هذا ، وما أسوأ ذاك ، ما أسوأ الخوف إن كان من أخيك أو صديقك وابن وطنك ، وما أروعه إن كان من يهود ، لقد كان لصوت مكة سحر سرى في عقولنا وقلوبنا ؛ فانتشينا ، ورأيناكم تتعانقون ؛ فتعانقنا ، وشردت أذهاننا منا إلى ذلك اليوم العظيم ؛ يوم ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وعلى أرض مكة ، أما ما رعرع السعادة في صدورنا فهو الاتفاق بصورة نهائية على تشكيل حكومة وحدة وطنية ، وفق اتفاق تفصيلي معتمد بين الطرفين ، والشروع العاجل في اتخاذ الإجراءات الدستورية لتكريسها .. إنها لغة ( دول ) و ( حضاريين ) وانشدَّت عقولنا إلى مفرداتها ، فيا لطول ما انتظرناها !! لقد خضت الانتخابات لأجلها : أن يحكمنا من نختار ، وأن تتعانق قلوبنا ، ونصلب جدارنا في وجه الغاصب اللئيم. وفعلا قد تشكلت الحكومة .. حكومة الوحدة الوطنية ، والتي مثلت 96% من شعبنا ، رأينا ذلك حقيقة لا خيال ، وانفرجت أساريرنا ، وصرنا نحاكيك أملا ، وثقة ، وإخلاصا هي مبادئ قد تربيت عليها وصحبك في مدرسة الإسلام العظيم الذي أوجبها وفرضها ، فهلل الكون لها وكبر، وكان – وأقولها مرة ومرة – ما مسح دموع الثكالى ، وآسى قلوب الحزانى والمعدمين ، وطرد اليأس من الأرواح وعنها ، وكانت فرحة ، ود شعبنا لو يقبلكم واحدا فواحدا ، ولكن .... وآآآه من لكن !!
ولم تنته أركان الفرحة، بل جاءها ركن وأي ركن ، فلقد جاء الاتفاق على المضي قدما في إجراء تطوير منظمة التحرير وإصلاحها ، وتسريع عمل اللجنة التحضيرية ، استنادا لتفاهمات القاهرة ، التي مضى عليها قرابة السنتين ، ولما تتحرك من جمودها ، الذي أجبرت عليه بفعل فاعل !! فلا يعقل أبدا أبدا أن أكثر من نصف شعبنا يطرد خارج البيت ، المكتوب على بابه ( الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ) هل يعقل ؟ إن السياسات والاستراتيجيات التي يتبناها من في البيت حري أن تصدر عن الملاكين جميعا ، ويحرم على نصفه أن يسوق النصف الآخر على غير إرادة منه، أو حتى رأي ، ولكن هو اللجاج ، والتعنت ، والاستبداد ، والهوى ، (والمصالح) . إن كل شعوب الأرض حتى قبائل ( الزولو) خلعت عنها ثوب التفرد والديكتاتورية ، واتجهت نحو الشراكة السياسية في البلاد والعباد ، وهذا ما تترَّست ( أنت ) به حتى تحقق لك ذلك ، فكان الأمر به ، والنص عليه ، وعلى أساس القوانين المعمول بها في السلطة الوطنية الفلسطينية ، وعلى قاعدة التعددية السياسية ، وفق اتفاق معتمد بين الطرفين .. أخرجك هذا النص من الظلم الذي وقع عليك ، لسنوات وسنوات وسنوات ؛ من تهميش، وإهمال ، وهجر، وترك ... ما كان عليك إلا أن تمشي خلالها بلا إرادة، وتسمع ولا تبدي رأيا ، وتصفق وإن كنت مذبوحاً ، وحرام عليك أن تقول : لا ، أرادوك ( تيماً ) تلك القبيلة التي قال فيها شاعرنا : ويقضي الأمر حين تغيب تيم ولا يستشهدون وهم حضور
أتوقف هنا لأستأنف يوم غد ، إن عشت (أنا ) لغد بمشيئة الله ،،،،


