الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 06:00 ص

مقالات وآراء

إحياء قضية حق العودة في وسائل الإعلام

حجم الخط

بات الجميع يدرك أن العالم في ظل الثورة الإعلامية الحديثة ودخول الانترنت والعولمة بات أشبه بالقرية الكونية، والتي يمكن للواحد منا أن يجوب في مناحيها،  وذلك جراء ما أحدثته التكنولوجيا وعلى رأسها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فما يحدث بعيدا عنا آلاف الكيلومترات نعرفه بعد لحظات بسيطة وحتى لحظة حدوثه، فالانترنت والفضائيات جلبت لنا العالم ووضعته بين أيدينا.

ومن هنا بات الإعلام واحدا من مستلزمات المرحلة، واحد أدواتها لما له من أهمية في دعم القضايا العادلة، وحق العودة واحدة من هذه القضايا التي يجب أن نوجد لها دعما عالميا من خلال تصحيح الصورة المغلوطة التي بثها الإعلام الاسرائيلي ومن يدعمه، فعملية تشكيل رأي عام داعم لقضية عادلة كقضية حق العودة للشعب الفلسطيني الذي هجر واقتلع من أرضة، يحتاج الاستغلال الأمثل لوسائل الإعلام القادرة على تشكيل رأي عام داعم للحق الفلسطيني، هذه الوسائل لو أحسن استغلالها بالشكل العلمي ووفق أسس وتخطيط سيكون لها مردود واسع، فحق العودة لما يقرب من خمسة ملايين لاجئ جدير بان يعمل أصحابها على تفعيلها عبر وسائل الإعلام المختلفة لما تلعبه من دور حيوي ومهم في رأي عام مساند لهذه القضايا.

إن قضية اللاجئين الفلسطينيين و مفهوم حق العودة المشروع تعرض إلى تشويه من قبل الاحتلال، وتقصيرا إعلاميا، وشغلنا وسائل الإعلام مع الأسف الشديد بصغائر الأمور ولم نلتفت إلى القضايا المصيرية، وأصبح حق العودة أو قضايا اللاجئين لا تذكر في وسائل الإعلام إلا بشكل موسمي.

إن غياب طرح موضوع حق العودة من قبل وسائل الإعلام ومن قبل الصحفيين والسياسيين سيؤدي لغيابه تدريجيا من العقلية العالمية بل والعربية والفلسطينية.

إن المطلوب من الفلسطينيين أصحاب القضية أكثر من أي وقت مضى إحياء حق العودة وبث روح الحياة فيه عبر تعزيز وجوده المستمر في وسائل الإعلام وجعل هذا الحق ثقافة متداولة.

ولعلنا ندرك أهمية دور الإعلام من خلال شواهد كثيرة وأقربها لقضيتنا ما فعلته الحركة الصهيونية و'ثيودور هيرتزل' عندما رسخ في أذهان الغرب وعقليته وجوب حق العودة لليهود كما يزعمون لأرض الآباء والأجداد، مرفقين كل ذلك بصورة نمطية لفلسطين بأنها ارض خالية من السكان، قاحلة يسكنها مجموعة من الهمجيين، فالصهيونية استطاعت أن تقنع الغرب واليهود أنفسهم بأنهم قوم مشتتون لاجئون من حقهم العودة لوطنهم الأصلي، فكيف بنا نحن الفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين والذي لم يمض على خروج قسم منا من الوطن إلا عشرات السنين وليس آلاف كما يزعم الصهاينة لأنفسهم.

وأريد أن انوه هنا إلى أن السياسة الاحتلالية من ركائزها إطالة أمد التفاوض والتسويف وإعطاء حلول طويلة الأمد لان عامل الزمن في صالحهم في اغلب المواقف وليس في صالحنا، فأرضنا تتآكل مع مرور الأشهر والسنين عبر المصادرة والاستيطان والجدار العنصري وبفرض وقائع جديدة على الأرض، بالإضافة إلى أن اللاجئين سواء في الداخل أو الخارج تضعف عندهم الدافعية القوية للعودة لأرضهم ووطنهم مع مرور الزمن، خاصة إذا ما شعروا برغد العيش والاستقرار في أماكن لجوئهم.

وهنا يكمن احد أهم المخاطر التي تواجه مفهوم حق العودة المقدس الذي يعني إلغائه أو التنازل عنه إعطاء المصداقية لدولة الكيان المحتل والشرعية لوجودها، أو بمعنى آخر أن أصحاب الأرض الأصلين الذين طردوا منها لا يرغبون بالعودة إليها ويتنازلون عنها لليهود بمحض إرادتهم وبالتالي لا يصبح للفلسطينيين أحقية بالمطالبة بها ولو بعد آلاف السنين، ولذلك لابد من بقاء حق العودة متقدا مشتعلا في القلوب والعقول يتوارثه الأجيال. وتتضامن معنا من اجله الأمم والشعوب الحرة، ولا يتأتى ذلك إلا بالأخذ بالوسائل والأسباب وأهمها هو الإعلام.

باستعراض سريع لمفهوم حق العودة واللاجئين في الإعلام نجد المعطيات التالية:

أولا: مفهوم حق العودة نجد انه يختصر بخبر ثانوي لفعالية أو حدث.

ثانيا: أعطت وسائل الإعلام صورة نمطية للاجئين، كصورة الخيمة أو الأزقة الضيقة دون أن تراعي التطور الحاصل في هذه المخيمات.

ثالثا: نلاحظ غياب البعد السياسي لحق العودة واختصاره على البعد الإنساني، مختزلة تلك الوسائل حق العودة بتحسين احتياجات يومية من مأكل ومشرب.

رابعا: قلة وسائل الإعلام المتخصصة بقضية حق العودة، واختصارها على بعض مواقع الانترنت التي لها جهودا تشكر عليها.

خامسا: بعض وسائل الإعلام وخاصة الأجنبية منها تبرز صورة المخيم واللاجئ بأنهم إرهابيون يعيشون بعيدا عن تطورات العصر والتقدم.

سادسا: معظم المواد الإعلامية التي تبث عن اللاجئين وأبرزها الأفلام الوثائقية تصدر عن مؤسسات أجنبية.

سابعا: تشتت الجمعيات والمؤسسات المختصة بقضية اللاجئين وضعف التنسيق فيما بينها.

ثامنا: عدم وجود مكتب إعلامي خاص بقضية حق العودة، الذي من وظيفته تتبع أخبار اللاجئين وأوضاعهم ويعد المواد الإعلامية عنها، والذي يمكن ان ينبثق عنه وسائل إعلام متخصصة ومراسلون وفروع في مختلف أماكن تواجد الفلسطينيين،  كما تعاني قضية حق العودة من نقص مراكز الأبحاث والدراسات المتعلقة بها.

تاسعا: ضعف المجهود المبذول على العمل الدرامي والفني، بما يشمله من إنتاج مسلسلات وأفلام مضمونها حق العودة، وإنتاج الأفلام الوثائقية والريبورتاجات والتحقيقات، بالإضافة للمسرح والعروض الاستعراضية، والنص الأدبي سواء شعرا أو قصة أو الرواية، و مختلف النصوص الأدبية، إضافة للأغنية والنشيد واللحن، وبقية الفنون الشعبية كالدبكة.

هذه بعض المآخذ على التغطية الإعلامية لقضية حق العودة و التي يمكن العمل بعكسها لتعزيزه، بالإضافة للعمل على المستوى الداخلي بالتوعية للاجئين أنفسهم، وترسيخ حق العودة في أذهانهم وعقول أبنائهم بحيث يصبح حق العودة ثقافة وواقعا وليس تراثا.

و السعي لتضمين المواثيق الإعلامية للدول العربية والإسلامية والصديقة ببند ينص على أن دعم حق العودة للاجئين واجب أخلاقي وإنساني على الصحفي التحلي به.

بالإضافة للاهتمام بوسائل الإعلام الموجهة نحو الأطفال، وبالبرامج الخاصة بهم كأفلام الكرتون، وتضمينها لمفهوم حق العودة.

وهناك امر في غاية الأهمية ألا وهو التوثيق الشفوي، وتسجيل شهادات كبار السن وتوثيقها.

ولا ننسى دور الجاليات الفلسطينية في الغرب وفي مختلف أماكن تواجدها بتثقيف تلك المجتمعات بمفهوم حق العودة وبالقضية الفلسطينية عامة، وتفعيل دور السفارات والقناصل والممثليات الفلسطينية بما يختص بحق العودة، والعمل على توعية المجتمعات التي يتواجدون فيها من خلال المؤتمرات والمحاضرات واللقاءات الإعلامية والنشاطات المختلفة.

والعمل على استقدام وفود أجنبية وإقامة مخيمات صيفية بهدف تعريفهم عن قرب بأوضاع اللاجئين وحقهم بالعودة لوطنهم، و إقامة المعارض في الداخل والخارج، كمعارض الصور واللوحات الفنية المعبرة عن حق العودة.

وبالطبع على وسائل الإعلام الفلسطينية القائمة دور أساس في زيادة الاهتمام بقضية حق العودة وجعلها محورا رئيسيا، والعمل على تثقيف العاملين فيها بهذه القضية لكي يكونوا قادرين على التعبير عنها وعرضها بالشكل المناسب.

هذه ابرز المقترحات لتعزيز مفهوم حق العودة عبر وسائل الإعلام والعالم الخارجي، ربما يصعب القيام بكل هذه النقاط إلا أن عمل القليل خير من الجمود والاستسلام للرياح تقود سفيتنا أينما أرادت.