ما يعانيه العالم الرأسمالي اليوم من أزمة مالية كبرى تكاد تعصف بمؤسساته الاقتصادية والمالية، لم يكن فجأة أو دون مقدمات فالأزمة موجودة منذ عشرات السنين لكنها كالرماد تحت التراب، سرعان ما خرجت بقوة وتفجرت في أيلول الماضي، ابتداءً بالولايات المتحدة الأمريكية، وبلدان الاتحاد الأوروبي، واليابان، والصين، ولم تسلم منها بورصات العديد من البلدان العربية والعالمية الأخرى.
مما دفع حكومات تلك الدول إلى المسارعة في محاولة لإنقاذ هذه المؤسسات من الإفلاس، مما يترتب عليه خروج الملايين من الموظفين للبطالة، الذي سيكون له آثار تطال النظام السياسي في الدولة.
وفي هذا الإطار أكد الكثير من خبراء الاقتصاد في العالم أن الأزمة الحالية هي الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، وإن أسبابها تكمن في طبيعة النظام الرأسمالي لتلك الدول، مما يعني فشل ونهاية عصر الرأسمالية المالية بكل أرباحها الخيالية المصطنعة، والتي تدير أموال وأنشطة العالم الاقتصادية بموجب عقلية المقامرين، إذ أن أسواق المال تحكمها نفس قواعد المقامرة التي تديرها المافيات، وهو ما ينطبق على قواعد اقتصاد السوق والاقتصاد الحر، وهو ما يبشر بنهاية القطب الواحد في العالم الذي تقوده أمريكا، وسيشهد العالم تغيرات سياسية على الصعيد الدولي والإقليمي سينعكس إيجاباً على دول العالم الثالث المتمثل بأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من حيث انتهاء عصر التبعية السياسية والمالية والاقتصادية، عدا عن كسر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمات الدولية كالأمم المتحدة بمؤسساتها المتعددة، وغيرها من تلك المنظمات التي تسخرها الولايات المتحدة لبسط هيمنتها ونفوذها على العالم.
وفي هذا السياق يقول فرانسيس فوكوباما أكثر المحافظين تشدداً في مقالة له نشرها في مجلة نيوزويك الأمريكية مطلع الشهر الحالي بعنوان'انهيار أمريكا كمؤسسة' إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تنعم بوضعها الذي ظلت تتمتع به حتى الآن كقوة مهيمنة على العالم، وهو ما أكده الغزو الروسي الأخير لجمهورية جورجيا، وأضاف : إن قدرة أمركا على صيانة الاقتصاد الدولي عبر الاتفاقيات التجارية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ستضعف وستضاءل معها موارد البلاد المالية، كما أن المفاهيم والنصائح وحتى المعونات التي تقدمها للعالم لن تحظ بذلك الترحيب الذي تتلقاه الآن، كما وصف الكاتب الشرق الأوسط تحديداً بأنه حقل ألغام لأي إدارة أمريكية قادمة لأنها فقدت مصداقيتها أمام العالم في دفاعها عن الحريات كونها تدعم القوى الديكتاتورية وغير الشرعية، وترفض التعامل مع القوى التي تفرزها صناديق الانتخاب مشيراً إلى حركة حماس تحديداً.
مما تقدم نخلص بالقول أن ما يجري اليوم هو نتيجة طبيعية للحرب التي وعد الله عز وجل بها كل من تعامل بالربا، والنظام الرأسمالي نظام ظالم يقوم على الربا أساساً، وها نحن ننظر بأعيننا تداعي هذا النظام باحتراق ذاتي، وما تحاول حكومات تلك الدول من إنقاذ هذا الانهيار إنما هو أشبه بالمسكن لجسد تفشى فيه المرض العضال.
