حين يتحدث نتنياهو وكاتس عن توسيع الحرب نحو الضاحية الجنوبية لبيروت، فإنهما يحاولان تسويق الأمر كضرورة أمنية لحماية المستوطنات الشمالية.
لكن الوقائع الميدانية تكشف أن القرار يتجاوز الاعتبارات الأمنية بكثير، ويدخل في حسابات سياسية وأيديولوجية أوسع.
فقد احتفل الإعلام الإسرائيلي بدخول قوات الاحتلال إلى قلعة الشقيف باعتباره «إنجازاً استراتيجياً»، لكن شهادات مسؤولين إسرائيليين وصحفيين خدموا في المنطقة أكدت أن القلعة لم تكن تضم مقاتلين أو أسلحة، وأن السيطرة عليها لم تغير شيئاً ميدانياً. فالمسيرات ما زالت تصل، والصواريخ تنطلق، والجليل يعيش استنزافاً يومياً.
هذا التناقض يفسر انتقال الخطاب الإسرائيلي سريعاً من «الإنجازات العسكرية» إلى التلويح باستهداف بيروت والضاحية.
فحين تعجز العمليات عن تحقيق صورة الانتصار، يصبح توسيع الحرب وسيلة لإنتاج مشهد سياسي وإعلامي جديد.
داخل إسرائيل، يحتاج نتنياهو إلى استمرار الحرب للحفاظ على تماسك ائتلافه المتطرف والهرب من أزماته السياسية والقضائية.
أما كاتس وبقية أركان اليمين المتشدد، فيرون القوة العسكرية أداة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية وفرض وقائع جديدة على دول المنطقة وشعوبها.
السؤال الحقيقي ليس لماذا يريد نتنياهو استهداف الضاحية، بل لماذا يحتاج في كل مرحلة إلى جبهة جديدة رغم فشل الأهداف المعلنة.
الإجابة تكمن في السياسة والتوسع أكثر من الأمن والدفاع.
والسؤال الأهم متى ستدرك الإدارة الأمريكية أن الشرق الأوسط لن يتحمل مزيدا من المهاترات التفاوضية وأن الضغط على الحكومات لا يلغي حق الشعوب في الدفاع عن كل ذرة تراب من أرضها.
ومن هنا، يهدف استهداف الضاحية إلى الضغط على حزب الله وعلى البيئة اللبنانية الحاضنة للمقاومة عبر التهجير والتدمير ورفع الكلفة الإنسانية، مستخدماً المدنيين كورقة ضغط سياسية كما في غزة.
هذا التوجه ينسجم مع رؤية نتنياهو وحلفائه القائمة على توسيع النفوذ الإسرائيلي وفرض الهيمنة بالقوة، بدلاً من التسويات السياسية.
لذلك، لا يُقرأ التهديد بضرب الضاحية كقرار أمني محدود، بل كحلقة في مشروع إقليمي أوسع يسعى لتغيير خرائط النفوذ وإخضاع المنطقة لمنطق القوة.


