نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا لدانيال ليفي، رئيس مشروع الولايات المتحدة - الشرق الأوسط، ناقش فيه ما يعنيه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي واليمين المتطرف عندما يتحدثون عن "إسرائيل الكبرى" وأنهم لا يعنون السيطرة على الأراضي بقدر ما يعني ذلك جعل "إسرائيل" القوة العظمى بالمنطقة.
وقال ليفي إن هناك الكثير من الغموض حول أهمية ومدى استمرار الهدنة التي حددت بأسبوعين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. لكن جانبا واحدا من الصراع لا يزال واضحا اليوم كما كان قبل ستة أسابيع: دونالد ترامب لا يملك خطة، بينما يملكها بنيامين نتنياهو. فقد كانت أهداف إسرائيل من الحرب هي إضعاف قدرة الدولة الإيرانية إلى أقصى حد وتحقيق انهيارها الداخلي أكثر من مجرد تغيير النظام.
ورغم وقف إطلاق النار، أكد نتنياهو أن هذه "ليست نهاية الحملة" وأن إسرائيل "على أهبة الاستعداد" لاستئناف القتال. وبصفته استراتيجيا محنكا، فقد استغل إدارة ترامب الثانية فرصة الميوعة الجيوسياسية للوصول إلى هدفه النهائي: إسرائيل الكبرى. وعندما يطرح مصطلح "إسرائيل الكبرى" في اليمين الإسرائيلي، ينظر إليه غالبا على أنه مفهوم إقليمي بحت: محاولة لزيادة مساحة الأراضي التي تدعي إسرائيل ملكيتها.
وهذا بالتأكيد جزء لا يتجزأ من معناه. فإسرائيل، في نهاية المطاف، كانت توسعية، وشمل ذلك تهجير الفلسطينيين وتشريدهم منذ نشأتها، وقد تسارعت هذه العملية بشكل ملحوظ الآن.
وخلال العامين والنصف الماضيين، سوّت إسرائيل قطاع غزة بالأرض وأعادت احتلاله، ما أسفر عن استشهاد عشرات الآلاف من الأشخاص وتدمير بنيته التحتية المدنية، وحصر سكانه، وفقا لتقديرات العام الماضي.
وفي الضفة الغربية، تواصل إسرائيل حملة تدمير وتهجير تستهدف الشعب الفلسطيني وممتلكاته، وهي حملة غير مسبوقة منذ حرب الأيام الستة عام 1967، موسعة بذلك نطاق سيطرتها وتوسع رقعة استيطانها.
وبعد سقوط رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد عام 2024، استولت "إسرائيل" على أراضٍ في سوريا (خارج مرتفعات الجولان التي ضمتها بشكل غير قانوني)، وهي بصدد إعادة فرض احتلالها في جنوب لبنان. ويدعو وزراء في الحكومة من فصيلي الصهيونية الدينية والقوة اليهودية، ونواب من حزب الليكود، علنا إلى السيادة الإسرائيلية والاستيطان في لبنان. دعا وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، إسرائيل إلى "التوسع إلى دمشق"، وادعى نتنياهو نفسه أنه يشعر "بالارتباط الشديد" بهذه الرؤية الإقليمية لـ"إسرائيل" الكبرى.
ويرى ليفي أنه يجب النظر إلى إسرائيل الكبرى كمفهوم جيوسياسي واستراتيجي بقدر ما هو مفهوم إقليمي. ويعد الاستحواذ على الأرض والسيطرة عليها، من نواحٍ عديدة، الجزء الواضح والسهل.
ويسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تحقيق هدف أكثر طموحا وتعقيدا من مجرد السيطرة على الأراضي، ألا وهو مشروع هيمنة يقوم على تحالفات جديدة، مدعومة بالاعتماد على القوة العسكرية.
ولفهم هذا، يدعو ليفي إلى العودة بضع سنوات إلى الوراء. فبعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ومع اتضاح حجم ووحشية رد إسرائيل في غزة، تعثرت محاولاتها للاندماج الإقليمي، أي تطبيع العلاقات مع جيرانها العرب، بشكل متزايد.
وواجه نتنياهو خيارا: إما استئناف جهود التطبيع الإقليمي عبر نهج أكثر توافقا مع الفلسطينيين، أو التمسك بموقفه الرافض لأي مستقبل فلسطيني.
وباختياره الخيار الثاني، كان على نتنياهو إزاحة إيران من موازين القوى الإقليمية، وهي خطوة استلزمت تدخلا عسكريا أمريكيا مباشرا وواسع النطاق إلى جانب إسرائيل.
وفي الأيام التي سبقت الحرب الإيرانية، لاحظ اثنان من الشخصيات الأمنية الإسرائيلية البارزة، في مقال لهما في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، أن إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بشكل كبير، من وجهة نظر دول سنية إقليمية رئيسية، سيرسخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.
ويتطلب تحقيق ذلك ليس فقط انهيار إيران، بل إضعاف دول مجلس التعاون الخليجي: البحرين والكويت، وعمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة وجعلها تعتمد على إسرائيل في الأمن وخطوط تصدير الطاقة.
وبعبارة أخرى، يقول ليفي، يمكن اعتبار تداعيات الحرب المتمثلة في استهداف دول مجلس التعاون الخليجي بطائرات إيرانية مسيرة وصواريخ، سمة متعمدة من قِبل إسرائيل، وليست مجرد أثر جانبي مؤسف.
وكما كان متوقعا، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الحرب، تأثر وصول دول مجلس التعاون الخليجي إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز بشدة. وعندما صعدت إسرائيل من حدة التوتر باستهدافها البنية التحتية للطاقة الإيرانية، نفذت إيران تهديدها بالرد بالمثل على دول الخليج.
وانتهز نتنياهو الفرصة للدعوة إلى "طرق بديلة عن مضيقي هرمز وباب المندب"، متوقعا "مد خطوط أنابيب النفط والغاز غربا عبر شبه الجزيرة العربية وصولا إلى إسرائيل، وصولا إلى موانئنا على البحر الأبيض المتوسط"، كما قال.
وفي تصريحاته العلنية، ربط نتنياهو بعض جوانب مشروعه لفرض سيطرة إسرائيل الكبرى. قبل أيام من اندلاع هذه الحرب، وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإسرائيل، شارك نتنياهو رؤيته لـ"إنشاء منظومة متكاملة، أشبه بتحالف سداسي الأضلاع حول الشرق الأوسط أو داخله"، يضم "الهند، والدول العربية والدول الأفريقية ودول البحر الأبيض المتوسط (اليونان وقبرص) ودولًا آسيوية". وستكون إسرائيل محور هذا التحالف.
وقد ساهمت مقالة نشرت مؤخرا باللغة العبرية، كتبها اثنان من كبار المسؤولين في معهد الاستراتيجية الرسمي التابع للجيش الإسرائيلي، في توضيح بعض جوانب الوضع.
فقد جادلا بأن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بغزو الأراضي بشكل مباشر، بل سيحقق أيضا "سيطرة عملياتية حتى في مناطق بعيدة عن حدود إسرائيل، دون احتلالها أو السيطرة عليها". وستمنح إسرائيل "مكانة متميزة كملكة الغابة" (إذ يشار إلى بقية الشرق الأوسط بـ"الغابة" في الخطاب السياسي الإسرائيلي)، مما يرسي "نظاما إقليميا يعزز أهداف إسرائيل". وفي خطاباته الأخيرة، بدأ نتنياهو يشير إلى إسرائيل ليس فقط كـ"قوة عظمى إقليمية"، بل "قوة عظمى عالمية من بعض النواحي".
وتسعى إسرائيل إلى وضع نفسها في قلب تحالف إقليمي يمكن الحفاظ عليه حتى في حال تراجع النفوذ الأمريكي. وقد وعد نتنياهو بنشر هذا التحالف السداسي ضد "المحور الشيعي الراديكالي... والمحور السني الراديكالي الناشئ".
ولم تتوانَ إسرائيل عن تسمية "التهديد" التالي الذي يجب التصدي له: تركيا.
زقد ينظر إلى الحديث عن هيمنة إسرائيل الكبرى على أنه مجرد مبالغة معتادة في زمن الحرب، لكن السياسة الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى أن ذلك سيكون خطأ فادحا. فالتوجه الحربي الدائم متأصل في الطبقة السياسية الإسرائيلية، حكومة ومعارضة ومؤسسة أمنية ونخبة من اليمين الجديد ووسائل الإعلام.
ومع ذلك، ينطوي هذا التفكير على مخاطر جسيمة للتجاوزات وردود الفعل العكسية؛ فهو يشكل خطرا على إسرائيل نفسها، ولن تقبله المنطقة. وفي قائمة التحديات الطويلة لما بعد الحرب، قد يكون ردع مشروع هيمنة إسرائيل الكبرى واحتوائه من أهمها.


