الأحد 12 ابريل 2026 الساعة 10:50 م

مقالات وآراء

ترامب وخنق العالم عبر مضيق هرمز

حجم الخط

إذا افترضنا تحقق حالة شلل وظيفي فعلي في مضيق هرمز نتيجة تلاقي عاملين متعارضين وغير قابلين للتعايش: فرض رسوم إيرانية صارمة على المرور من جهة، وملاحقة أمريكية لأي سفينة تمتثل لهذا الشرط من جهة أخرى، فإن نقطة الانطلاق التحليلية تقتضي التذكير بأن هذا المضيق كان، قبل مرحلة التصعيد العسكري الأخيرة، مفتوحاً عملياً أمام الملاحة الدولية دون عوائق جوهرية تُذكر، ولم يكن من المبررات المعلنة للتصعيد، فقد كان في الأصل مفتوح ويعمل بكفاءة.

غير أن المفارقة تكمن في أن هدف "ضمان حرية الملاحة"  تحوّل لاحقاً إلى مطلب مركزي بعد أن ساهمت ديناميات التصعيد نفسها في خلق بيئة عطّلت المرور أو جعلته محفوفاً بالمخاطر إلى حد يفقده جدواه الاقتصادية، وبذلك يصبح المسار السببي معكوساً: إجراءٌ قيل إنه لحماية الانسياب البحري ينتهي عملياً إلى تقويضه، فتتحول حرية الملاحة من حالة قائمة إلى قضية نزاع.

في هذا السياق، لا يكون الحديث عن "إغلاق" تقليدي بقرار أحادي، بل عن تعطّل وظيفي ناتج عن تفاعل سياسات متضادة تُنتج بيئة غير قابلة للعمل تجارياً.

يبرز الأثر الأول في أسواق الطاقة العالمية، حيث يمر عبر المضيق ما يقارب 20–25% من تجارة النفط العالمية، أي نحو 17 إلى 20 مليون برميل يومياً. أي تعطّل كبير في هذا التدفق - حتى إن كان جزئياً - يعني سحب كمية ضخمة من السوق خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد.

في مثل هذا السيناريو، يمكن أن تقفز الأسعار سريعاً إلى نطاق 120–150 دولاراً للبرميل خلال أيام، مع إمكانية تجاوز 180 دولاراً إذا استمر التعطّل أو تصاعد.

هذه القفزة لا تُقرأ فقط كزيادة سعرية، بل كفقدان للاستقرار في آليات التسعير نفسها، حيث تدخل الأسواق في حالة من التقلب الحاد وعدم اليقين.

لا يقل الغاز الطبيعي أهمية عن النفط في هذا المشهد، إذ يمر عبر المضيق نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، مع اعتماد كبير على صادرات الخليج، ولا سيما من قطر...

تعطّل هذا المسار يضع ضغوطاً مباشرة على أوروبا وآسيا، ويعيد إنتاج أزمة طاقة قد تتجاوز في حدتها ما شهدته الأسواق خلال الحرب في أوكرانيا، ومع ارتفاع أسعار الغاز، تتضاعف كلفة توليد الكهرباء والصناعة الثقيلة، ما يوسع نطاق التأثير الاقتصادي.

ويمتد الأثر إلى قطاع الزراعة عبر حلقة الأسمدة، حيث تُعد دول الخليج مصدراً رئيسياً للأمونيا واليوريا...

تعطّل الإمدادات يؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه المواد بنسبة قد تصل إلى 50–100% خلال أشهر قليلة، وهو ما ينعكس على تكاليف الإنتاج الزراعي عالمياً، ومن ثم على أسعار الغذاء.

هذا النوع من التضخم يتسم بخطورته الاجتماعية والسياسية، لأنه يمس الأمن الغذائي، خصوصاً في الدول ذات الدخل المحدود.

في موازاة ذلك، تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطراب متزايد...

شركات التأمين البحري ترفع تصنيف المخاطر إلى مستويات "حرب عالية الخطورة"، ما يؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين بشكل كبير أو امتناع بعض الشركات عن التغطية...

شركات الشحن بدورها تعيد تقييم مساراتها، فتتجنب المرور أو تعيد التوجيه عبر طرق أطول مثل الالتفاف حول أفريقيا، وهو ما يزيد الزمن والتكلفة...

النتيجة المباشرة هي تأخير وصول السلع، وارتفاع أسعارها، وعودة اختناقات في سلاسل التوريد.

هذا التفاعل بين ارتفاع التكاليف وتباطؤ النشاط الاقتصادي يقود إلى حالة ركود تضخمي، حيث يترافق ارتفاع الأسعار مع تراجع النمو...

في مثل هذه الظروف، تميل البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، ما يزيد الضغط على الاستثمار والأسواق المالية، وقد تشهد البورصات العالمية تراجعات حادة، في حين تتجه رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة مثل الذهب، مع ارتفاع الطلب على الدولار في المدى القصير.

ومن القطاعات التي تتأثر بسرعة واضحة قطاع الطيران، حيث يُعد وقود الطائرات من أكثر المشتقات ارتباطاً بأسعار النفط...

مع ارتفاع أسعار النفط بنسبة قد تتراوح بين 50% و100% في مثل هذا السيناريو، ترتفع تكلفة وقود الطائرات بشكل مماثل تقريباً، ما ينعكس على شركات الطيران التي يشكل الوقود لديها نحو 20–30% من التكاليف التشغيلية، وقد يصل إلى أكثر من 40% في أوقات الأزمات...

النتيجة هي ارتفاع أسعار التذاكر، وتقليص بعض الرحلات، وتعديل المسارات الجوية لتجنب مناطق التوتر، ما يزيد من زمن الرحلات واستهلاك الوقود، ويخلق حلقة تضخمية إضافية داخل القطاع.

أما على مستوى التوازنات الدولية، فتبرز الصين بوصفها أحد أكثر الأطراف تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج.

ومع تعطل ما يصل إلى خمس وارداتها النفطية عبر هذا المسار، تجد نفسها أمام خيارات صعبة تشمل استخدام المخزون الاستراتيجي، وزيادة الاعتماد على مصادر بديلة مثل روسيا، وممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة، مع احتمال تصعيد بحري محدود لحماية سفنها إذا اقتضت الضرورة.

هذا الوضع يضعها في موقع حساس بين حماية مصالحها وتجنب مواجهة مباشرة.

في المقابل، تعاني دول الخليج نفسها من تداعيات مباشرة، رغم كونها المصدر الأساسي للطاقة، إذ إن تعطّل الصادرات يعني فقدان جزء كبير من الإيرادات في وقت قصير، ما يضغط فوراً على الموازنات العامة، خاصة مع اعتمادها الكبير على التدفقات النفطية...

تعطّل ما بين 17–20 مليون برميل يومياً لا ينعكس فقط على الدخل، بل يربك التخطيط المالي ويؤدي إلى تأجيل مشاريع وزيادة السحب من الاحتياطيات أو اللجوء إلى الاقتراض.

كما أن البدائل المتاحة، مثل خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، لا تعوض إلا جزءاً محدوداً من الكميات، ما يبقي معظم الإنتاج دون منفذ فعال.

وهنا تظهر مفارقة حادة: القدرة على الإنتاج دون القدرة على التصدير، وبالتالي عدم الاستفادة الفعلية من ارتفاع الأسعار العالمية.

ولا يقتصر الأثر على الجانب المالي، بل يمتد إلى الصناعات المرتبطة بالطاقة مثل التكرير والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

سياسياً، تجد هذه الدول نفسها بين تحالفاتها التقليدية ومصالحها الاقتصادية الحيوية، ما يفرض توازناً دقيقاً في ظل تصعيد قد يتحول إلى مصدر ضغط داخلي أيضاً، ويعيد طرح مسألة الاعتماد على ممرات جغرافية تمثل في آن واحد عنصر قوة ونقطة هشاشة.

يمكن تلخيص هذه التداعيات في مجموعة نقاط مترابطة:

- تعطّل ما بين 17–20 مليون برميل نفط يومياً (نحو ربع التجارة العالمية)

- تأثر نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً

- ارتفاع أسعار النفط إلى 120–150 دولاراً وربما 180+ في حال استمرار الأزمة

- زيادة أسعار الأسمدة بنسبة تصل إلى 50–100% خلال أشهر

- ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإعادة توجيه التجارة العالمية

- دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي

- ارتفاع كبير في تكاليف الطيران وأسعار التذاكر

- تأثر مباشر لاقتصادات الخليج رغم دورها كمصدر رئيسي

في المحصلة، لا تكمن خطورة هذا السيناريو في كونه إغلاقاً عسكرياً مباشراً فحسب، بل في كونه يخلق بيئة اقتصادية غير قابلة للعمل، حيث تصبح المخاطر والتكاليف أعلى من أن يتحملها الفاعلون الاقتصاديون.

وبذلك يتحقق التعطيل فعلياً دون إعلان رسمي، وتتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي في زمن قياسي، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ النظام الاقتصادي الدولي.

ترامب يُدخل العالم في نفق مظلم بقراراته التي يغلب عليها التهور والشخصنة والتخبط، رغم تحذيرات مستشاريه وجنرالاته.

ولا يوجد نهاية لهذا النفق في المستقبل المنظور.