الإثنين 30 مارس 2026 الساعة 07:06 م

الأخبار

من القانون العثماني إلى الضم التدريجي

رحلة سيطرة الاحتلال على الأرض الفلسطينية

حجم الخط
غزة ـ صوت الاقصى

 في الثلاثين من مارس من كل عام، يستحضر الفلسطينيون ذكرى "يوم الأرض" بوصفه محطة مفصلية في تاريخ نضالهم الوطني، حين ارتقى ستة شهداء عام 1976 دفاعاً عن أراضيهم في الداخل المحتل. إلا أن إحياء هذه الذكرى في عام 2026 يأتي في سياق أكثر تعقيداً وحدة، حيث لم تعد الأرض مجرد رمز تاريخي للصمود، بل تحولت إلى ساحة مواجهة يومية مفتوحة في وجه سياسات المصادرة والتوسع.

ويأتي ذلك في ظل مصادقة حكومة الاحتلال، منتصف فبراير الماضي، على خطة واسعة لتسوية أراضي الضفة الغربية المحتلة، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة منذ عام 1967، وتهدف إلى تحويل مساحات من الأراضي الفلسطينية إلى "أراضي دولة"، تمهيداً لفرض السيادة الإسرائيلية عليها ضمن مسارات ضم تدريجية.

تصعيد غير مسبوق في وتيرة المصادرة

خلال عام 2025 وبدايات عام 2026، شهدت الضفة الغربية والداخل الفلسطيني تصاعداً ملحوظاً في إجراءات الاستيلاء على الأراضي، عبر أدوات قانونية وإدارية متعددة. فقد لجأت سلطات الاحتلال إلى تصنيف مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت مسميات مثل "أراضي دولة" و"محميات طبيعية"، وهي تسميات تتيح فرض السيطرة ومنع الفلسطينيين من استخدامها أو استصلاحها.

وتشير تقديرات حقوقية إلى أن آلاف الدونمات تم إخضاعها لهذه التصنيفات خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للزراعة والبناء، خاصة في المناطق المصنفة "ج"، والتي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية.

إعادة صياغة السيطرة القانونية

وبرزت قرارات "أراضي الدولة" كأحد أبرز أدوات السيطرة، حيث تستند إلى مسار قانوني وإداري متدرج يهدف إلى إعادة تعريف ملكية الأراضي في الضفة الغربية. وتعتمد هذه القرارات على تفسيرات إسرائيلية لقوانين قديمة، أبرزها قانون الأراضي العثماني، بما يسمح بإعادة تصنيف الأراضي غير المسجلة أو غير المستغلة وفق معايير محددة كأملاك عامة.

وتُوظف هذه الآلية لتوسيع نطاق السيطرة دون اللجوء المباشر إلى المصادرة العسكرية، إذ تتحول الأراضي المصنفة لاحقاً إلى احتياطي استيطاني يُستخدم لتوسيع المستوطنات أو إنشاء بؤر جديدة، إلى جانب دعم مشاريع البنية التحتية المرتبطة بها.

ويرى مختصون أن هذه السياسة تمثل نقلة نوعية، إذ تُضفي طابعاً "قانونياً" على السيطرة، وتُعقّد في الوقت ذاته فرص الطعن أو الاستعادة من قبل الفلسطينيين، خاصة في ظل غياب تسجيل رسمي واسع لملكية الأراضي.

التسلسل الزمني للاستيلاء على الأراضي:

قبل 1967: كان تسجيل الأراضي الفلسطينية يتم وفق قانون الأراضي العثماني (1858) وقانون التسوية الأردني، وبقيت مساحات واسعة غير مسجلة حتى عام الاحتلال.
1967 بعد احتلال الضفة الغربية: أصدر الاحتلال أوامر عسكرية جمدت أعمال تسجيل الأراضي، معللة ذلك بعدم استكمال الإجراءات السابقة واعتبارات إدارية.
1979: قيدت المحكمة العليا الإسرائيلية المصادرة العسكرية للأراضي لأغراض استيطانية، ورفضت مصادرة الحكومة الإسرائيلية لأراضٍ فلسطينية لإقامة مستوطنة "ألون مورية"، مما اضطر "إسرائيل" للبحث عن آلية جديدة.
الثمانينيات: تحولت "إسرائيل" إلى أسلوب متحايل بإعلان الأراضي غير المسجلة "أراضي دولة"، استنادا إلى تفسيرها الخاص لقانون الأراضي العثماني.

2022: بدأت حكومة بنيامين نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب في غزة- الحديث عن نقل صلاحيات مدنية في الضفة إلى وزارات إسرائيلية، وتفعيل مسار تسجيل الأراضي مجددا ولكن تحت إشراف إسرائيلي كامل.
1993-2023: كشفت معطيات حركة "السلام الآن" أن نحو 900 ألف دونم من أراضي الضفة صُنفت "أراضي دولة"، أي 16% من مساحتها.
2024: أُعلن عن أكثر من 24 ألف دونم "أراضي دولة" في عام واحد فقط، وهو رقم يقارب نصف ما أُعلن عنه منذ توقيع اتفاق أوسلو.
8 فبراير 2025: أقر المجلس الوزاري المصغر الإسرائيلي خطوات عملية لتكريس ضم الضفة الغربية، تمهيدا لقرارات التسجيل الجديدة.

مخططات توسعية وتكريس واقع جديد

تتزامن قرارات "أراضي الدولة" مع مخططات أوسع تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية في الضفة الغربية. وتشمل هذه المخططات توسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء بؤر استيطانية جديدة، إضافة إلى ربطها بشبكات طرق وبنى تحتية تعزز من تواصلها الجغرافي.

كما تُستخدم تصنيفات "المحميات الطبيعية" كأداة إضافية لمنع التوسع الفلسطيني، خاصة في المناطق المصنفة "ج"، حيث يُحظر البناء أو الزراعة دون تصاريح نادراً ما تُمنح. ويرى مراقبون أن هذه السياسات تسهم في تفتيت الامتداد الجغرافي للتجمعات الفلسطينية، وتحاصر نموها الطبيعي.

أثر مباشر على حياة الفلسطينيين

لم تقتصر تداعيات المصادرة على البعد الجغرافي، بل امتدت لتطال تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين. فالمزارعون يواجهون قيوداً متزايدة في الوصول إلى أراضيهم، فيما تتعرض تجمعات سكنية لخطر الهدم بحجة البناء غير المرخص، في ظل صعوبة الحصول على تراخيص.

كما أدت هذه السياسات إلى تقويض سبل العيش التقليدية، خاصة في المناطق الريفية، حيث تعتمد العائلات بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي. ويؤكد مختصون أن هذه الإجراءات تسهم في دفع السكان نحو النزوح القسري، ما يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية على الأرض.

إرادة التشبث 

في مقابل هذا التصعيد، يواصل الفلسطينيون إظهار أشكال متعددة من الصمود والتشبث بالأرض. من زراعة الأراضي المهددة بالمصادرة، إلى تنظيم فعاليات شعبية ومسيرات سلمية في القرى والبلدات، تتجسد إرادة البقاء كخيار جماعي لا رجعة عنه.

وتبرز مبادرات شبابية ومجتمعية تهدف إلى حماية الأراضي، من خلال إعادة تأهيلها وزراعتها، إلى جانب توثيق الانتهاكات ورفعها إلى المؤسسات الدولية. كما تلعب لجان الحماية الشعبية دوراً متزايداً في مرافقة المزارعين وتوفير الحد الأدنى من الحماية خلال مواسم الزراعة والحصاد.

يوم الأرض: من ذكرى إلى واقع يومي

بعد نحو خمسة عقود على أحداث يوم الأرض، لم تعد هذه المناسبة مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل تحولت إلى تعبير حي عن واقع مستمر من الصراع على الأرض. وبينما تتسارع وتيرة المصادرة، يزداد تمسك الفلسطينيين بجذورهم، في معادلة تعكس صراع الإرادات على هذه الجغرافيا.

وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، تبدو الأرض مرة أخرى في قلب المشهد، ليس فقط كعنوان للصراع، بل كجوهره الأساسي، حيث تتقاطع السياسة بالتاريخ، وتتشكل ملامح المستقبل على وقع ما يجري فوق ترابها.

يأتي يوم الأرض لعام 2026 في ظل واقع أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن ثبات عنصر أساسي في المشهد الفلسطيني: إرادة التشبث بالأرض. وبين سياسات المصادرة ومخططات التوسع وقرارات "أراضي الدولة"، يستمر الفلسطينيون في كتابة فصل جديد من فصول الصمود، حيث تتحول الأرض من مجرد مساحة جغرافية إلى عنوان للهوية والوجود.