"قبور نُبشت وجثامين انتهكت حرمتها، وعظام خرجت من تحت التراب"، لتُعيد وجع الفقد حيًّا في قلوب أهالي شهداء لم يلتئم جرحهم النازف بعد.
لم يكن نبش الاحتلال الإسرائيلي لمقبرة البطش في حي التفاح شمالي شرقي مدينة غزة قبل أيام، بحثًا عن جثة جنديه الأسير في القطاع، اعتداءً على أرض، بل صدمة إنسانية كسّرت آخر حدود الطمأنينة، وشكّلت انتهاكًا صارخًا لحرمة الموتى، وتجاوزًا خطيرًا لكل القيم الدينية والإنسانية.
وقف الأهالي عاجزين أمام قبور مفتوحة، يبحثون عن شواهد يعرفونها، عن أسماء حفظوها عن ظهر قلب، وعن يقين بأن موتاهم ما زالوا في مكانهم.
وأعاد نبش القبور مشاعر الصدمة، وأيقظ أحزانًا حاول الناس هنا دفنها مع أحبّتهم، ليصبح الحزن مضاعفًا، حزن الفقد، وانتهاك الوداع الأخير.
وحسب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة فإن الاحتلال دمّر خلال حرب الإبادة، 40 مقبرة من أصل 60 مقبرة في قطاع غزة، كان آخرها إعادة تدمير مقبرة "البطش".
وتشكل هذه الجريمة سابقة خطيرة تهدف إلى طمس الهوية وامتهان كرامة الشعب الفلسطيني وشهدائه.
صدمة وحزن
المواطن ناصر قريقع وقف يبتلع صدمة الصورة التي نشرها الإعلام العبري لعمليات البحث عن جثة جنديه الأخير، يُراود الحزن قلبه على قبور شهداء عائلته، الذين أراق الاحتلال راحتهم، ومنهم شقيقتيه.
يقول قريقع": أصابتنا الصدمة عندما رأينا صورة مقبرة البطش وجرافات الاحتلال تنبش بها، للبحث عن جثة الجندي الأخير، لا نعرف شيئًا عن جثامين شقيقتَي إنعام وضحى، وأقربائي، ولا نستطيع الوصول إلى المقبرة لأن المنطقة ما زالت خطرة".
ويضيف "حتى راحة الشهداء في قبورهم لم تعجبهم، فقرروا امتهان كرامتهم، الشهيد لا يملك شيئًا سوى قبره، وحين يُنبش كأنهم يقولون لنا: لا حرمة لكم أحياءً ولا أمواتًا".
ويؤكد قريقع عزمه بمجرد زوال تهديد الاحتلال وانسحابه من المنطقة المحاذية للمقبرة، التوجه حيث ترقد شقيقتيه وتفقدهما وعمل اللازم لإكرام جثمانيهما وباقي الشهداء في المقبرة.
وخلال حرب الإبادة على غزة، تعمّدت سلطات الاحتلال بشكل منهجي تدمير المقابر في القطاع ونبش القبور وتخريبها، والعبث بالجثامين وتدنيسها، وسلب العشرات منها.
امتهان كرامة الموتى
"أدنى حق إنساني امتهنوه".. بهذه العبارة عبر عماد حجازي عن حزنه وخوفه الشديد على جثامين أخيه محمد وزوجته وأبنائه، وأخيه أسامة وزوجته، وأخيه أحمد ومجد، لا يدري ما حل بآخر مكان راحة لهم.
يقول حجازي: "أي ظلم هذا أن تنبش قبور عشرات الشهداء لأجل جثة جندي واحد".
ويضيف "لم يكن وقع الخبر بسيطًا، ولم تكن الصورة إلا سكين تطعن في خاصرة شرف الأمة، التي لم تُحرك ساكنًا لأفعال الاحتلال منذ بداية حرب الإبادة".
حاول حجازي الوصول إلى المقبرة، لتفقد قبور أحبائه، إلا أنه لم يتمكن من ذلك، لأن المنطقة ما تزال خطرة وإطلاق النار من جيش الاحتلال لا يتوقف.
ويتساءل حول إمكانية تدخل جهات رسمية وتطوعية لإعادة دفن الشهداء وتكريمهم، بالتنسيق مع الاحتلال لحين استطاعة الأهالي الوصول إليها، خوفًا من أن تنهش الكلاب جثامين الشهداء.


