الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 07:00 م

مقالات وآراء

لماذا تتقاطع أنظمة عربية وحكومات غربية في معاداة الإخوان المسلمين؟

حجم الخط

في السنوات الأخيرة، برزت مفارقة لافتة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي: تصاعد حملة منسقة، في الخطاب والممارسة، ضد جماعة الإخوان المسلمين، تشارك فيها أنظمة عربية متباينة في بنيتها، وحكومات غربية لطالما رفعت شعارات الديمقراطية وحرية التنظيم السياسي.

هذه الحملة لا تُقدَّم دائماً بالصيغة ذاتها، لكنها تتقاطع في الجوهر والنتائج، ما يدفع إلى التساؤل: كيف ولماذا تلاقت هذه الإرادات المختلفة على خصومة واحدة؟

السؤال لا يتعلق بالدفاع عن جماعة بعينها، بقدر ما يتعلق بفهم منطق السياسة حين يتحول من إدارة الخلاف إلى إقصاء البدائل، فحين تتشابه السياسات تجاه فاعل سياسي واحد، رغم اختلاف السياقات والأنظمة، فإن الظاهرة تستحق تفكيكاً أعمق من التفسيرات السطحية أو الانطباعية.

أولاً: الأنظمة العربية – من الخلاف السياسي إلى التهديد البنيوي

بالنسبة لعدد من الأنظمة العربية، لا تُعد جماعة الإخوان المسلمين مجرد تيار معارض يمكن احتواؤه أو التفاوض معه، المشكلة أعمق من ذلك، وتتصل بطبيعة الجماعة نفسها.

الإخوان لا يمثلون فرداً معارضاً أو حزباً هشاً، بل تنظيماً ممتداً، له قدرة على العمل طويل النفس، وحضور اجتماعي وثقافي يتجاوز السياسة المباشرة.

هذا النوع من التنظيم يضع الأنظمة السلطوية أمام معضلة حقيقية: فهو يطرح، صراحة أو ضمناً، نموذجاً بديلاً للشرعية، يستند إلى الانتخابات، والعمل القاعدي، والمرجعية الأخلاقية.

في أنظمة تستمد شرعيتها من القوة، أو الوراثة، أو الأمر الواقع، يصبح هذا النموذج تهديداً وجودياً لا خلافاً سياسياً عادياً.

تجربة الربيع العربي، وبخاصة الحالة المصرية، شكّلت لحظة فاصلة في هذا السياق، فصعود الإخوان إلى الحكم - حتى وإن كان قصيراً ومربكاً - كسر فكرة استحالة تداول السلطة، وأثبت أن الشارع والتنظيم يمكن أن يغيّرا المعادلة.

منذ تلك اللحظة، انتقل التعامل مع الإخوان من منطق الاحتواء إلى منطق الاستئصال، ليس بسبب ما فعلوه فقط، بل بسبب ما أثبتوا أنه ممكن.

ثانياً: الغرب – الواقعية السياسية بلا أقنعة

في المقابل، يبدو الموقف الغربي أكثر تعقيداً وأقل صراحة، فمن حيث الخطاب، تؤكد الحكومات الغربية دعمها للديمقراطية والتعددية السياسية، لكن من حيث الممارسة، تتقدم اعتبارات “الاستقرار” والمصالح الاستراتيجية على أي التزام مبدئي.

الغرب، في كثير من الحالات، يفضّل أنظمة يمكن التفاهم معها والتنبؤ بسلوكها، حتى وإن كانت سلطوية، على قوى منتخبة لا يمكن التحكم بمسارها السياسي أو الإقليمي.

الإسلام السياسي، في صيغته التنظيمية، يثير قلقاً مضاعفاً: فهو لا ينتمي بالكامل إلى النموذج الليبرالي الغربي، ولا ينخرط في العنف الذي يسهّل عزله أخلاقياً وأمنياً.

الإخوان يقعون في منطقة رمادية تزعج الغرب: لا هم عنيفون فيُرفضون بسهولة، ولا هم مطواعون فيُحتوَون.

يضاف إلى ذلك خلط متعمد بين الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية العنيفة.

هذا الخلط، الذي تغذّيه اعتبارات أمنية وإعلامية، يختزل طيفاً سياسياً واسعاً في صورة “التطرف”، ما يبرر إجراءات استثنائية ويمنح الغطاء لسياسات الإقصاء، ولا يمكن هنا إغفال دور الحلفاء الإقليميين - كالإمارات -  في الضغط على العواصم الغربية، سياسياً واقتصادياً، لتبني هذا المنظور.

ثالثاً: تجربة الإخوان – عوامل داخلية سهّلت الهجوم

التحليل الموضوعي يقتضي الاعتراف بأن جماعة الإخوان لم تكن مجرد ضحية لحملة خارجية، فقد ساهمت تجاربها الداخلية، في مراحل مختلفة، في تسهيل استهدافها.

من أبرزها ارتباك الخطاب السياسي، وعدم الحسم في الفصل بين الدعوي والسياسي، ما خلق مخاوف حقيقية أو متخيلة لدى قطاعات من المجتمع والنخب.

عند الوصول إلى الحكم، ظهرت محدودية الخبرة في إدارة الدولة، وسوء تقدير موازين القوى العميقة، والاعتماد المفرط على الشرعية الانتخابية وحدها. هذه العوامل منحت الخصوم فرصة ذهبية لتصوير الجماعة كخطر على الدولة، لا كجزء من التعددية السياسية، وسهّلت تعبئة الرأي العام ضدها داخلياً وخارجياً.

لماذا كانت الحملة شرسة إلى هذا الحد؟

لأن المسألة، في جوهرها، لم تكن صراعاً مع حزب سياسي بعينه، بل مواجهة حول شكل الدولة وحدود السياسة.

السؤال الحقيقي الذي طُرح - دون أن يُقال صراحة - هو: هل يُسمح لتنظيم إسلامي، واسع الامتداد، بأن يكون فاعلاً طبيعياً في المجال السياسي؟ أم أن هذا الدور يجب أن يُمنع مسبقاً، بغض النظر عن الوسائل؟

من هنا جاءت شراسة الحملة: تشريعات استثنائية، تصنيفات فضفاضة، شيطنة إعلامية، ومحاولات لإعادة كتابة التاريخ القريب.

لم يكن الهدف فقط إقصاء الإخوان، بل إرسال رسالة أوسع مفادها أن بعض البدائل غير مسموح لها بالوجود أصلاً.

ما يتجاوز جماعة بعينها

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بمستقبل الإخوان المسلمين وحدهم، بل بمستقبل السياسة في المنطقة. حين تتحول إدارة الخلاف إلى منع البدائل، وحين يُختزل المجال السياسي في خيارات محددة سلفاً، يصبح السؤال أكبر من مصير جماعة أو تيار.

إنه سؤال عن قابلية الدولة والمجتمع لتحمل التعدد، وعن معنى الشرعية، وعن حدود ما يُسمح به باسم “الاستقرار”.

قد تنجح الحملات في إقصاء فاعل اليوم، لكنها لا تلغي الأسئلة التي أنتجته.

وهذه، في السياسة، هي الحقيقة التي يصعب دفنها.