الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 02:25 ص

مقالات وآراء

كيف تحوّلت غزة إلى صفقة؟ اقتصاد الحرب يدخل على خط “اليوم التالي”

حجم الخط

 بينما ما زال الغزيون يبحثون عن خيمةٍ أقلّ بللًا، وعن دواءٍ مفقود، وعن طريقٍ مفتوح، كان نوعٌ آخر من الحركة يجري بهدوء خلف الكواليس: حركة المال.

تقرير استقصائي لصحيفة الغارديان يكشف أن ما يجري حول غزة لم يعد يقتصر على وقف نار أو قوة دولية أو لجنة تكنوقراط، بل دخل مرحلة أخطر: استثمار الحرب نفسها، وتحويل الكارثة إلى سوق مفتوح.

 في ظل ان ثلاثة أرباع مباني غزة مدمّرة، وتقدر  الأمم المتحدة  كلفة الإعمار بـ 70 مليار دولار، فانه بالنسبة  لعالم المقاولات والسياسة، هذا الرقم لا يعني مأساة… بل فرصة ذهبية.

بحسب وثائق ومصادر اطّلعت عليها الغارديان، يتنافس مقاولون أمريكيون مقرّبون من إدارة ترامب، وشركات ذات ولاءات جمهورية واضحة، على السيطرة على المساعدات الإنسانية ولوجستيات إعادة الإعمار قبل أن تبدأ فعليًا.

المفارقة أن لا مجلس سلام بدأ عمله، ولا آلية دولية شفافة أُقرّت، لكن الخطط التجارية سبقت السياسة.

في موازاة المسار الرسمي، شكّل البيت الأبيض فريق عمل خاص بغزة، يقوده جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، ومعهما أريه لايتستون.

الفريق لا يعمل فقط على “رؤية سياسية”، بل على نماذج تشغيل، وأسعار، وتوقّعات أرباح، ومواقع مستودعات.

الأكثر صدمة أن اثنين من المسؤولين البريطانيين السابقين — عملوا مؤخرًا ضمن فريق إيلون ماسك لتقليص الحكومة الأمريكية — يقودون نقاشات إعادة إعمار غزة.

لا خبرة إنسانية، لا تجربة إغاثية… فقط عروض باوربوينت.

في قلب السباق، برز اسم شركة أمريكية تُدعى “غوثامز”، شركة فازت سابقًا بعقود لإدارة مركز الاحتجاز سيّئ السمعة في فلوريدا، المعروف بـ “ألكاتراز التمساح”، حيث يُحتجز مهاجرون في خيام ومقطورات.

نفس الشركة كانت — بحسب ثلاثة مصادر — الأقرب للفوز بعقد غزة، وقد أمّنت بالفعل موردين ومقاولين فرعيين.

لكن الأخطر لم يكن اسم الشركة… بل نموذج العمل.

وثيقة تخطيطية سرّبها شاب عمره 25 عامًا يُدعى آدم هوفمان، مستشار في فريق غزة، تقترح تعيين “مقاول رئيسي” يحتكر إدخال 600 شاحنة يوميًا إلى غزة.

 بحيث تفرض رسوم على النحو التالي:

▪️ 2000 دولار على كل شاحنة مساعدات إنسانية

▪️ 12000 دولار على كل شاحنة تجارية

بحسبة الغارديان، قد تصل الإيرادات السنوية من “رسوم الشاحنات” وحدها إلى 1.7 مليار دولار.

وهنا تتقاطع الخطة الأمريكية مع الواقع الإسرائيلي.

فبينما تُسوَّق الخصخصة على أنها “كفاءة”، أقرت سلطات الاحتلال آلية جديدة لاستيراد السلع إلى غزة، تحصر الشراء بموردين إسرائيليين معتمدين فقط، وتمنع الاستيراد من الضفة الغربية، وتفرض رقابة أمنية واقتصادية كاملة ويقتصر الاستيراد على عشرة رجال أعمال من القطاع، وفق إخطار رسمي وُجّه إلى التجار٫ وتم الاتفاق عليها مع مركز التنسيق الأمريكي في كريات غات (CMCC).

وبحسب الإجراء الجديد، يُسمح لكل من:

مصطفى مسعود، محمد خزندار، محمد بركة، رياض داود، محمد دردساوي، محمد أبو شلوف، سامح عثمان، أبو فايق أبو ماري، محمد خزندار، وعايدة فيبي،

  والنتيجة:

▪️ المساعدات تمر عبر موردين إسرائيليين

▪️ اللوجستيات بيد مقاول أمريكي

▪️ القرار السياسي مؤجل

▪️ والأمم المتحدة… خارج الصورة

أميد خان، وهو فاعل خير أمريكي يعمل على إدخال الأدوية لغزة، لخّص المشهد بوضوح:

“لا أحد من هؤلاء لديه خبرة إنسانية. لا أدوية، لا معدات طبية. هذه خطة معيبة وسخيفة.”

حتى مؤسس شركة غوثامز نفسه، مات ميكلسن، انسحب فجأة بعد أسئلة الغارديان، قائلًا إن “الأفكار تغيّرت جذريًا”، وإنه يخشى المخاطر الأمنية والدعاية السلبية.

لكن الانسحاب لا يلغي الحقيقة: الشهية فُتحت.

وامام تحديثات المشهد لليوم التالي فان غزة تُدار اليوم على ثلاثة مسارات متوازية:

مسار أمني يُحضَّر،

مسار سياسي مؤجَّل،

ومسار اقتصادي يعمل بكامل طاقته.

ليست إعادة إعمار بعد حرب…

بل اقتصاد حرب مؤجَّل الإعلان.

وفي هذا المشهد، يُسأل سؤال واحد لا يجرؤ أحد على طرحه بصوت عالٍ:

هل ما ينتظر غزة “اليوم التالي”…

أم استثمار حرب بغطاء لوجستي؟