الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 02:47 ص

مقالات وآراء

أسطول الصمود: وصل رغم أنه لم يصل!

حجم الخط

منذ أكثر من 15 عامًا، تحوّل البحر إلى ساحة مواجهة رمزية بين الفلسطينيين وأنصارهم من حول العالم من جهة، والآلة العسكرية الإسرائيلية من جهة أخرى.

فمنذ أولى محاولات كسر الحصار في 2008، كان واضحًا أن الطريق البحري إلى غزة محفوف بالمخاطر، وأن إسرائيل لن تسمح لسفن مدنية بأن تصل دون اعتراض.

ومع ذلك، ظلّت القوافل تنطلق، في كل مرة وهي تحمل الأمل، المساعدات، والرسالة السياسية. أسطول الصمود اللذي أبحر عام 2025 لم يكن استثناءً من هذه القاعدة: الكل كان يعرف أن احتمالات وصوله إلى شواطئ غزة تكاد تكون معدومة، لكن مغزاه لم يكن محصورًا في إنزال المساعدات على الرصيف، بل في ما أحدثه على الصعيد الإعلامي، القانوني، البرلماني، والسياسي، وفي الرسالة الرمزية التي بعثها للغزيين وللعالم.

أولاً: الأثر الإعلامي الدولي:

الأسطول فرض نفسه على واجهة الأخبار العالمية، وأحرج الرواية الإسرائيلية أمام جمهور أوسع.

تغطية مكثفة، نقاشات في كبرى القنوات والصحف، وتسليط الضوء على الحصار وما يخلّفه من آثار إنسانية قاسية.

هذه التغطية لم تكن مجرد تعاطف عابر، بل رفعت التكلفة السياسية على الاحتلال، وأعادت النقاش حول شرعية الحصار ذاته إلى الأجندة الدولية.

ثانيًا: التوثيق القانوني:

كل اعتراض، كل تسجيل فيديو، كل تعطيل متعمّد للاتصالات، وكل حادثة اعتقال أو اعتداء، تحوّلت إلى مادة توثيقية.

هذه المواد لا تبقى في الأرشيف، بل تُستخدم كأدلة في دعاوى وملفات تُرفع إلى محاكم دولية أو لجان حقوقية. فالقافلة لم تكن فقط حملة إنسانية، بل أيضًا "مختبر قانوني" يفضح الممارسات ويحوّلها إلى حجج دامغة.

ثالثًا: الضغط الدبلوماسي:

مشاركة برلمانيين وشخصيات عامة أعطى الأسطول ثِقلاً نوعيًا.

وجود نواب من دول أوروبية وأمريكية لاتينية وأفريقية جعل الاعتراض الإسرائيلي فعلًا يُناقَش في برلمانات وطنية، ويفتح الباب لدعوات بمراجعة التمويل أو سياسات العلاقات الثنائية.

بهذا تحولت القافلة إلى منصة ضغط مرن يتجاوز البُعد الإغاثي.

رابعًا: فتح مسارات بديلة:

حتى حين تُمنع السفن من الرسو، قد تفرض القافلة حلولًا وسطًا: السماح بإنزال بعض المساعدات في موانئ ثالثة كقبرص، أو دفع الأمم المتحدة لزيادة قنواتها الإنسانية الرسمية.

أي خطوة من هذا النوع تمثل مكسبًا إضافيًا للفلسطينيين، ولو جزئيًا، في مواجهة خنق الحصار.

خامسًا: تعزيز المعنويات والرسالة الرمزية:

الوصول لم يكن ضروريًا كي تصل الرسالة.

مجرد الإبحار، رفع العلم الفلسطيني، والإصرار على المواجهة السلمية، كلها تشكّل خطابًا معنويًا للغزيين: أنتم لستم وحدكم.

في مواجهة الحصار النفسي قبل المادي، هذه الإشارات الرمزية تحمل وزنًا استراتيجيًا.

سادسًا: بناء شبكات طويلة الأمد:

لم يكن الأسطول حدثًا معزولًا. هو أيضًا نقطة انطلاق لشبكات دعم جديدة: متبرعون، منظمات صحية، فرق قانونية، وتحالفات تضامنية عابرة للقارات.

هذه البنية التحتية من الدعم لا تنتهي مع عودة السفن، بل تتراكم وتستثمر في المعركة الطويلة.

أسطول الصمود لم يفشل لأنه لم يصل إلى غزة.

على العكس، أثبت أن النجاح يُقاس بقدرة الفعل المدني على تحويل الاعتراض العسكري إلى مادة إعلامية، وقضية حقوقية، ورسالة تضامنية عابرة للحدود.

لقد صنع سردًا بديلًا، وأبقى غزة في صدارة الاهتمام العالمي، وفتح جبهات ضغط جديدة على الاحتلال.

وفي زمن الخنق والحصار، يكفي أن تُبحر سفينة لتفتح نوافذ أمل ومسارات نضال تتجاوز البحر.