لن نخوض في جدلية الحق مع من؟! الفلسطينيون صمدوا بلحم الأطفال والمرضى وفهم وشاهد العالم أنهم مجوعين مظلومين ومقهورين وقد يأسوا من مناشدة العالم فهم بحاجة لمخرج عاجل جدا جدا..
مجددا جوهر عدوان الإبادة والتجويع هو تهجير الفلسطيني وتغيير واقع ديمغرافي لخدمة هدف استراتيجي سياسي وفق تغيير خارطة الإقليم والتي طالت غزة ولبنان وسوريا ومناطق أخرى وفق معادلة جديدة تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية وكيان الاحتلال والتي تعتمد القوة الناعمة والخشنة في الهيمنة على مقدرات المنطقة والحفاظ على كيان الاحتلال آمن وقوي بل وفتح الأبواب المغلقة أمامه لتشريع وجوده ودوره من نافذة التطبيع ورسم اتفاقيات جديدة اقتصادية أهمها غاز شرق المتوسط وسياسية وأمنية مع دول الشرق الأوسط والعالم العربي يصعب إجمالها هنا.
مصر مستهدفة بدرجة كبيرة في هذه التحولات نظرا لأهمية دورها الإقليمي والعربي وكونها بوابة لا يمكن تجاوزها في الصراع مع الاحتلال وواجب على الفلسطيني العمل معها وتقديمها في كثير من المحطات حاليا لإيجاد مخرج عاجل يوقف الآن الإبادة ويؤسس لموقف مشترك يلزمه وحدة فلسطينية يفهم الاحتلال أهميتها ويحرص هو على تعزيز الانقسام وتخفيض دور مصر.
وفق هذا الواقع لازال عدوان الإبادة والتجويع مستمر ومتصاعد ويجري التحايل عليهما بعد انتشار صور المجاعة وإحراج الاتحاد الأوروبي أمام شعوبه بقسط غير مجدي من مساعدات إغاثة لا تغير شيء من واقع قطاع غزة الكارثي أو بخطوات دبلوماسية معنوية من قبيل الاعتراف بفلسطين كدولة.
كيان الاحتلال هو مشروع الغرب والإمبريالية والليبرالية الجديدةِ في المنطقة وتجمعهم معه مصالح وقواسم مشتركة تتعدى السياسة والأمن والاقتصاد بل و يجمعهما بعد عقائدي في ظل قوة الصهيونية المسيحية وتصاعد التشدد اليميني في الغرب لذا لن يتركوه اليوم ومستقبلا.
جولات مفاوضات مرتقبة ستجري وسط استمرار الإبادة ولن تدع الفلسطيني يلتقط أنفاسه للحديث تحت النار والضغط العسكري والاحتلال يستغل الوقت ليواصل تدمير الحياة المدنية في قطاع غزة وشدة القصف خلال الأسبوع الجاري تؤكد ذلك وقتل الصحفيين جزء من جريمة تدمير مدينة غزة وردع الإعلام عن نقل حقيقة أن التدمير مستمر بل وكثيف جدا في حين هناك ملهاة اسمها إدخال مساعدات ومواد تجارية لا تغير واقع الفلسطيني ولكنها تجمل صورة الاحتلال وتوفر بيئة للاحتلال كي يكمل تدمير المباني بشرق مدينة غزة في هذه المرحلة سواء فشلت أو نجحت المفاوضات قريبا أو في المستقبل لأنه يرحل للفلسطينيين مزيد من المعاناة.
الجانب الفلسطيني المفاوض للأسف كان يعول على الوقت وتغييرات غير مجدية في مواقف إقليمية ودولية فمظاهرات الغضب والاحتجاج لن توقف الإبادة والتدمير والتفاوض يتصدره طرف واحد بات متأكد أن الاحتلال يستفرد به ويماطله كثيرا وربما يمضي وقت طويل بشكل شكلي في جلسات تفاوض امتدت سابقا لأسابيع وعادت لنقطة الصفر وما يلزم الفلسطيني الآن التحرك بشكل رسمي وجمعي يظهر للعلن أمام شعبه والرأي الدولي ثم أمام الاحتلال بل والحديث علانية عن ضرورة حضور السلطة الفلسطينية ومصر كأطراف رسمية في العمل الدبلوماسي والسياسي فلا وقت للخلافات السياسية الداخلية والحرص على وقف إطلاق نار ولو مؤقت بشكل سريع وعدم التساوق مع متاهة مفاوضات يعتمد الاحتلال فيها التسويف والمماطلة لأنها لعبة الاحتلال من عام ١٩٩١م حتى
كامب ديفيد ٢٠٠٠م ثم تعثر مفاوضات لاحقة زمن أوباما من قبل مجيء الرئيس ترامب وسط الانقسام وكارثة غزة المستمرة.
(فلسطين أولا ) يجب أن تكون معادلة الفلسطينيين سويا لأن الإبادة الجماعية تدمر الكل الفلسطيني وتخطط لمستقبل يجهض قضية تاريخية نالت من دماء وتضحيات مئات الآلاف.
واقعنا السياسي يجب أن يحرك جزء مهم من ممارستنا وجهدنا السياسي في هذه المرحلة التي يتصدرها البحث عن مخرج وليس وفق مفهوم (من صاحب الحق؟) ولذا يجب أن يكون سقف العمل واقعي قدر الإمكان ويعزز دور مصر لتساعد الفلسطيني للخروج من الكارثة فهي الأقرب والأقوى والأهم سياسيا للفلسطينيين وهذا ليس وقت الخوض في خلافات البرامج والرؤى السياسية.
الاحتلال أكثر من يريد استمرار الإبادة لوقت طويل فقد تكيف مع العدوان ولديه مقدرات لا منتهية وغطاء أمريكي كامل فلا يجب تجاهل ذلك لأن استمراره يكبدنا خسارة قد نفقد فيها طريق العودة ونحن نحاول إنقاذ ما تبقى.
الواقعية السياسية غابت من سنوات طويلة في ممارسات كثير من فصائل العمل الوطني وهي ليست خيانة ولا تفريط ولا انهزام ولكن الأسوأ أن تواصل إنكارها بالمطلق لتضطر لاحقا للقبول بواقع لن يزيدك في زمن الإبادة إلا الأسوأ حتى بات التهجير أمنية المقهورين.


