لم يكن يعلم آلاف المواطنين المجوّعين بأن توجههم للحصول على المساعدات غربي مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، لسد رمق جوع أطفالهم، سيُحولهم إلى أداة للقتل والموت الجماعي.
ففي مشهد دموي يعكس مدى بشاعة الاحتلال الإسرائيلي ووحشيته، تحوّلت ما تسمى "مراكز توزيع المساعدات" الأمريكية إلى "مصائد موت جماعي"، ليُقتل المواطن الفلسطيني مرتين إحداها بالجوع، والأخرى بالقصف والرصاص.
ومع فجر يوم الأحد، كان هؤلاء المواطنين على موعد مع مجزرة جديدة بشعة تُعد الجريمة الأكبر، التي ينفذها جيش الاحتلال منذ بدء تنفيذ آليته الجديدة لتوزيع المساعدات في القطاع، ما أسفر عن استشهاد 31 مواطنًا وإصابة أكثر من 200 آخرين.
وحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن جيش الاحتلال والمنظمة الأمريكية التي أسسها، وجّه الفلسطينيين لاستلام مساعدات من منطقة رفح، وطُلب منهم الانتظار حتى الساعة السادسة صباحًا، للمرور عبر بوابات التفتيش للحصول على المساعدات، قبل أن يستهدفهم بإطلاق نار مباشر من طائرات "كواد كوبتر" المسيّرة، ومن ثم بقذائف الدبابات، إلى جانب إطلاق عناصر الشركة الأمريكية قنابل الغاز على جموع المُجوَّعين.
مشاهد قاسية
وأثارت "مجزرة المساعدات" والمشاهد القاسية لشهداء ملقون على الأرض قرب مركز المساعدات الأمريكي_الإسرائيلي في رفح، عضبًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر آلاف المغردين الفلسطينيين والعرب عن استنكارهم الشديد للجريمة البشعة، التي راح ضحيتها عشرات المدنيين الجوعى.
واتهم نشطاء فلسطينيون وعرب عبر مواقع التواصل، المبعوث الأمريكي للشرق الاوسط ستيف ويتكوف بالوقوف خلف "مجزرة المساعدات"، ومنح الاحتلال الضوء الأخضر لارتكاب المزيد من المجازر في قطاع غزة، بعد مسارعته إلى رفض رد حركة حماس على مقترح وقف إطلاق النار بغزة.
وقال النشطاء: إن "الاحتلال اتخذ من هذا التصريح المتسرع وغير المسؤول، ذريعة لارتكاب المجرزة بحق المجوعين، الذين توافدوا صباحًا إلى مصيدة تسليم المساعدات في منطقة غرب رفح، ليقابلوا بالرصاص والقذائف التي أطلقتها قوات الاحتلال".
وأضافوا "مساعدات أميركية مغمّسة بالدماء.. عشرات الشهداء فوق بعضهم البعض.. تم فتح النار عليهم وهم في طابور من أجل المساعدات".
قتل وإذلال
رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" صلاح عبد العاطي يقول إن الاحتلال حوّل نقاط توزيع المساعدات الأمريكية-الإسرائيلية الي مناطق للقتل والفوضي والإذلال والحط من الكرامة الإنسانية.
ويوضح عبد العاطي ، أن الاحتلال ارتكب مجزرة بشعة باستهدافه آلاف الجوعى الذين تجمعوا أمام أحد مراكز توزيع المساعدات الأمريكية_ الإسرائيلية غربي رفح.
ويشير إلى أن قوات الاحتلال لم تتوقف عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق المدنيين في قطاع غزة، بل تكررت حوادث القتل والاستهدافات للمدنيين المجوعين.
ومنذ بدء تطبيق آلية توزيع المساعدات الأمريكية_الإسرائيلية بتاريخ 27 أيار/ مايو الماضي، ارتفعت حصيلة الشهداء إلى 49 شهيدًا وما يزيد عن 305 مصابين في منطقتي رفح وجسر وادي غزة، إلى جانب عشرات المواطنين المفقودين.
ويضيف عبد العاطي أن هذه الآلية الأمريكية-الإسرائيلية أحد أدوات الإبادة والقتل الجماعي، والتوظيف المجرم لسلاح التجويع والمساعدات الإنسانية ضد أهالي قطاع غزة.
ويبين أن هذه الآلية تهدف لشرعنة جرائم التجويع، وإقصاء المنظمات الدولية الإنسانية، رغم مخالفتها كليًا لمبادي ومعايير العمل الانساني وقواعد القانون الدولي الإنساني.
ويؤكد أن المطلوب من المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لتحمل مسؤوليتهم الاخلاقية والقانونية لوقف جريمة الإبادة الجماعية وإلغاء الآلية الأمريكية-الإسرائيلية الفاشلة.
ويطالب عبد العاطي بإجبار الاحتلال علي استئناف تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والمستلزمات الطبية دون قيود، ومن خلال الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وخاصة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وباقي المنظمات الإنسانية، والعمل الجاد لتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين.
هندسة الإبادة
لم تكن "مجزرة المساعدات" حدثًا منفصلًا، بل نتيجة مباشرة لسياسة "هندسة الإبادة" بغطاء إنساني، والتي تتبناها واشنطن وتُنفذها "إسرائيل". وفق ما يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة
وأضاف أن "المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لم يأتِ لفرض وقف إطلاق نار بقدر ما جاء لإخضاع الفلسطنيين لصيغة تخدم أمن الاحتلال".
وتابع أن تجاهله التام للجريمة، وموقفه الأخير المنحاز في مقترح التهدئة، يكشف أن الدور الأميركي لم يعد وسيطًا، بل أصبح جزءًا من المعركة.
وأما الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا فقال إن ما جرى اليوم يُجسد حقيقة موقف الإدارة الأمريكية التي تصرّ على تسويق مبادرة ويتكوف كـ"حل إنساني"، بينما تشارك على الأرض في أبشع صور القتل.
وأضاف أن ما يُسمى "مقترح ويتكوف" ليس إلا غطاءً سياسيًا لفرض شروط الاحتلال، و"مراكز المساعدات" ليست سوى ساحة لتنفيذ الإبادة الجماعية.
وتابع "اليوم قُتِل الجوعى بدم بارد، وببصمة أمريكية واضحة"، متسائلًا" هل جاءت هذه المساعدات لتطعم الجوعى؟، أم لتجمعهم وتُعدمهم؟".
وأكد أن الرصاص على الجوعى لم يُطلق عشوائيًا، بل بقرار، وبترتيب، وبمشاركة مرتزقة تابعين للشركة الأمريكية التي "توزع المساعدات".
واعتبر القرا هذه ليست حادثة معزولة، بل مجزرة منظمة، ترتكب بغطاء أمريكي مباشر، قائلًا: "من يموّل الاحتلال، ويمنحه الغطاء السياسي، ويُشرف على توزيع المساعدات بالسلاح لا يمكنه الإدعاء بالإنسانية".
