الجمعة 25 سبتمبر 2020 الساعة 04:03 م

مقالات وآراء

تحول في مسار لطم الخدود وشق الجيوب

حجم الخط
حق للعالم العربي والإسلامي أن يفتخر ويرفع رأسه بعد طول غياب، ويستعيد ولو جزءا قليلا من أمجاده وكرامته المهدورة، وينتزع من أنياب الاحتلال بعضا من حقوقه المسلوبة. فصفقة التبادل جديرة بأخذ العبر منها ونقاشها وتحليلها لمعرفة أبعادها المستقبلية على الصراع  مع الاحتلال.
 
ما جرى في صفقة التبادل الأخيرة مع الاحتلال هو خطوة ذات دلالات في رحلة الانتصارات على ما لم ترغبه الإنسانية جمعاء عبر التاريخ من سيطرة بالقوة على الشعوب ومقدراتها تحت شريعة الغاب، والمتمثلة في الاحتلال الغاشم الطاغي بجبروته على شعب فلسطين المسالم الذي اقتلع وهجر من أرضه غصبا وقهرا.
 
الآن.... جرى تحول في لطم الخدود وشق الجيوب الذي تعود العرب وخاصة الفلسطينيين عليه، فاللطم كان هذه المرة من نصيب الذين اغتروا بجبروتهم وقوتهم والذين تصوروا أن قوتهم وحصونهم مانعتهم من لطم الخدود. إصرار الاحتلال على أن القوة فوق كل شيء وإنها كفيلة بتغيير الحقائق والسنن الكونية، جعلهم يدفعون غاليا هذه المرة، وباتوا يقعون في شر أفعالهم السوداء. ولكن هل اتعظ الاحتلال وقرر أن يتوقف عن ظلمه وغيه بحق الشعب الفلسطيني المسالم؟ كل المؤشرات تشير إلى أن الاحتلال ماض حتى النهاية في ضلاله، فهو ذو غرور عال جدا من النوع الذي يطمس على القلوب والعقول.
 
عجيب أمر الغرب الذي زرع الاحتلال في قلب العالم العربي والإسلامي، وأعجب منه قبول ورضا الصهاينة من اليهود لعب هذا الدور على حساب عددهم القليل في العالم، والذي بانت علامات زواله أكثر من السابق، بحيث أن زمن انتصاراته قد ولى وبات الزمن لا يلعب لصالحهم، وإماراته خروجه مجبرا ومكرها من جنوب لبنان وقطاع غزة...
 
ما حصل هو أن قوة الاحتلال المختاله بجيشها الذي لا يقهر، والتي تتحدى العالم العربي والإسلامي وتجثم على صدره وتحتل مقدساته قد رضخت لقوة لا تقارن ولو بالحد الأدنى من قوته وترسانته واسطوله من الطيران والسفن والقنابل النووية..، هذه القوة الصغيرة بعددها وعدتها الكبيرة بإيمانها وإرادتها وتوكلها على الله، جعلت الاحتلال يذرف الدموع بغزارة على فشله الذريع في تحقيق أهدافه،'فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بأذن الله'.
 
دلائل الحدث الأخير من الخطأ تحجيمه والتقليل منه، ومن الخطأ تضخيمه بحيث يعتبر أنه النصر النهائي على الاحتلال، بل هو نصر يوضع في حجمه الطبيعي، ونصر يولد نصرا، ويسجل كسابقة ونموذج يحتذى به لمن بعده، والفخر لمن صنعه وقدم الغالي والنفيس لأجله، كون الاحتلال لم يكنس من الأرض الفلسطينية وكون أكثر من أحد عشر ألف أسير وأسيرة ما زالوا يقبعون خلف قضبان حديدية تأكل من أجسادهم ليل نهار.
 
ما أثلج الصدر في عملية التبادل هو الوحدة الوطنية التي جسدتها العملية في لبنان بحيث أن كل الطيف اللبناني قد بارك العملية واعتبرها انجازا ونصرا، وهو ما انعكس على الوضع الفلسطيني بحيث باركت كل القوى الفلسطينية تحرير الأسرى. قضية الأسرى جرح غائر في الكل الفلسطيني وهو ما يدفع للتكاتف حولها من مختلف الأطياف وجعلها على سلم أوليات الفعل الفلسطيني، وهذا بدوره يدعو إلى تعجيل الوحدة الفلسطينية الشاملة وعلى كافة المستويات بأسرع وقت، فالزمن يجري سريعا ولا يرحم ولا يعترف بالضعفاء الذين لا يحسنون تدبير أمورهم ويبقوا مختلفين متصيدين لهفوات بعضهم البعض، خاصة في ظل احتلال لا يرحم الكل الفلسطيني ولا يفرق بين لون وآخر ويتصيد الفرص للإجهاز على ما تبقى من نفس لدى الشعب الفلسطيني.
 

على الاحتلال أن يتعلم من تجارب الأمم وسنن التاريخ وأن لا يجري عكسها، فمصير كل احتلال إلى زوال ومزابل التاريخ وهو ليس بخارج عن هذا الإطار عاجلا أم آجلا، طال الزمن أو قصر. وعلى الأخوة الأشقاء الفلسطينيين أن يأخذوا العبرة ويدرسوا جيدا التجربة اللبنانية، وكيف أن ديانات وطوائف مختلفه توحدت لأجل الوطن، مع أن الفلسطينيين أولى من غيرهم بالوحدة، فما يجمعهم هو كل شيء... دينهم واحد، وهدفهم واحد، ومصيرهم واحد، ولا يوجد ما يختلفون عليه، فهل اعتبرنا وأخذنا الحكمة من مجريات الأحداث المتسارعة من  حولنا قبل فوات الأوان؟.