الخميس 01 يناير 2026 الساعة 02:10 م

مقالات وآراء

مقالات أخرى للكاتب

القيادة حين تعيش المرض النفسي

حجم الخط
محمد مشمش

حين يتابع المواطن الفلسطيني المهتم بشؤون قضيته الوطنية ويتطلع متسائلا لمستقبل كفاحه لنيل الحرية يشعر بخيبة الامل من المستوى الذي وصلنا له ومن قلة الخيارات أما المشروع الوطني أو قل من غياب القيادة القادرة على تحمل عبئ أخذ القرارات الصعبة والمصيرية عندها يتساءل بحزن ما هو السبب وما الي أوصلنا لهذه الحالة.


أجيب هذا المواطن وكل مواطن بالقول إن أكبر مهلكة للقضية الفلسطينية هي تفرد واستفراد حركة فتح بزعامتها من لدن عرفات لليوم المشهد السياسي الفلسطيني ولزعامة منظمة التحرير واغلاق ابوابها على جميع الفصائل الوطنية الاسلامية وغيرها ممن هم الان خارجها ولك أن تتخيل أن عقود مرت دون تجديد في المجلس الوطني وتمثيله وبقاء الباب موصدا على كل الحالات الوطنية التي استجدت في خطوة مقصودة لاستمرار الهيمنة والتفرد.


أما هذا النموذج من التفكير أو قل بتحديد أدق أمام هذه المشكلة النفسية المرضية من حب التفرد والهيمنة لم تستوعب العقلية الفتحاوية قيادة وجمهورا أن لا تكون هي السلطة الحاكمة والمتفردة في القرار وكان هذا واضحا في خسارتها الحكم عام 2006 وعدم قبولها بنتائج الانتخابات حتى اليوم – ولعل هذا هو السبب الابرز لكل ما نعانيه الان من حالة انقسام واستقطاب محزن- .

يذهلك عزيز القارئ حتى اللحظة ورغم تبخر المشروع السياسي الأسلوي بعد موت اسلو واقعيا وعلى الارض  بعملية السور الواقي عام 2002م  في الضفة الغربية  وبعملية الاستيطان الشرهة  التي ابتلعت الارض فأصبح حل  الدولتين  غير منطقي ومستحيل جغرافيا حتى إن تم التوافق على تبادل الاراضي  وموتها سياسيا  بعد اعتراف ترامب بالقدس كاملة عاصمة لإسرائيل بتجاوز واضح ومقصود لمفاوضات الحل النهائي.

يذهلك مع كل هذه العطيات استمرار قيادة فتح في الإستماتة بالتفرد ودكتاتورية القرار والحديث باسم الشعب والقضية وهم لا يمثلون إلا جزء منه في اشارة واضحة لمرض نفسي داخلي يحتاج لعلاج فوري.


أزمة سياسية عظيمة تمثلت في اعتراف ترمب منزوع الشرعية بالقدس عاصمة لاسرائيل تداعى لها الشعب الفلسطيني بالثورة واستنهاض انتفاضة القدس من جديد وتداعت لها الشعوب العربية احتجاجا وثورة و تداعى لها العرب باجتماع وزراء الخارجية ثم المسلمون بالقمة الاسلامية ولا زال محمود عباس متفرد بالقرار المصيري للشعب والقضية دون أي حس وطني ولا استشعار لحجم الخطر فكأن العقدة النفسية ما زالت حاضرة وحجم الأنا المتضخم لدى قادة فتح بدل أن يتحجم في ظل هذا المفترق بالغ الخطورة تراها يتعاظم وينتفش أكثر.


حين تبتلى أي قضية وطنية ويكون مصير أي شعب يصبو للتحرر أن يرضخ تحت إرادة مريضة نفسيا ترى نفسها ونفسها فقط وان خياراتها هي المقدسة والصحيحة والقابلة للتطبيق وكل الاجتهادات الوطنية محض خيالات و بروباغندا ايدلوجية من قبل من يروجها - خصوصا الحركات الوطنية الاسلامية - عندها تعلم أنه لا يوجد افق قريب لحل الازمة أو مواجهة الاخطار

المتابع الان لحالة السلطة بزعيمها عباس يلاحظ هذه السلسلة من التعقيدات والامراض النفسية ( تضخم الأنا -  النرجسية المطلقة - الرهاب من العمل الجماعي - فوبيا الشراكة والمشاركة ) في خوض معركة مواجهة قرار ترمب وليس أدل على ذلك الاصرار على الاقصاء وتغييب الآخر في عملية المصالحة الفلسطينية - الفلسطينة وتصرفات عباس و حكومته المطيعة من عقوبات لأول مرة تحدث من رئيس على شعبه بل ايضا من زعيم تنظيم على قواعد حزبه فقط للي ذراع الحزب الغريم وليس هذا هو موضوعي الرئيس لكنه دلالة واضحة على ما قلته سابقا من أن عمق المشكلة التي تواجه الحالة الفلسطينية السياسية اليوم هي أزمة نفسية ومرض نفسي تعاني منه قيادة السلطة وفتح .

هنا وفي هذه اللحظة من الاسى تجد نفسك فاغرا فاك من تحركات عباس المتخبطة في مواجهة قرار ترمب وهو يسبح في بحر واسع دون وجهة محددة ولا شاطئ واضح يصبو اليه مع الاخذ بالاعتبار أنه ليس ذلك السباح الماهر على الاقل كسابقه عرفات فتراه بعد الحدث يخطب خطابا مترنحا في القمة الاسلامية مصرا فيه على عملية سلام ماتت ، وتلويحا  بخيارات عنترية أقل ما يقال عنها أن الايدلوجيا التي يحملها عباس  تكشف زيفها  و من قبل خطاب القمة الاسلامية الخطاب الاول في الرد على قرار ترمب والذي أقل ما يوصف أنه كتب بعناية  حتى لا يزعج العم سام الذي يلوح عباس بعقابه على قراره  و أضف إلى ذلك سلسلة الزيارات التي كان أبرزها  قطر تركيا ايران وهو محور الشر الذي اختار عباس وحركة فتح الوقوف ضده أو على الاقل الوقوف بجانب من يعاديه  طوال الفترة الاخيرة .

رغم كل ذلك لازالت حالة فوبيا الشراكة ورهاب العمل الجماعي مسيطرا عليه فمازال يتحرك منفردا دون اجماع وطني ولا شرعية سياسية على الارض ولا حتى سيطرة فعلية على الارض فلا غزة يحكمها بفعل عدم اتمام المصالحة ولا الضفة يملك فيها المرور على حاجز صهيوني واحد.


قد يختلف معي البعض في توصيف الحالة التي تمر بها القضية الفلسطينية أنها أزمة نفسية مرضية لذا أدعوهم للتأمل فقط في أن تعاني القضية الفلسطينية منعطفا خطيرا كهذا ثم لا يكون هناك اجتماعا واحدا للفصائل الفلسطينية جميعها تدعو له قيادة السلطة وفتح لتدارس الموقف والخروج برؤية وطنية موحدة بل يتم القفز على خطورة الامر بتفرد واضح  في مظهر على المرض النفسي الخطير التي تعاني منه قيادة فتح والذي قلناه سابقا من حالة تضخم الأنا والنرجسية المطلقة وفوبيا الشراكة ورهاب العمل الجماعي  فكانت الدعوة لاجتماع لتنفيذية منظمة التحرير في مظهر كومدي أقرب للكوميديا السوداء وكلنا يعرف أنه ما هو إلا اجتماع من يجتمع ليحدث نفسه فمن البديهيات أن الفصائل الفلسطينية خارج مظلة منظمة التحرير تمثل ما يزيد عن نصف المجتمع الفلسطيني فتغيب حتى اللحظة.

 

ثم تجتمع مركزية فتح ومجلسها الثوري لأخذ القرارات الحاسمة ومن البديهي أن يثير الامر الضحك اذ ان دكتاتورا في مؤتمر حزبه الاخير فاز بالتزكية ولم ينافسه احد رغم تجاوزه ال80  لن يريهم الا ما يرى ولن يخرج أي قرار حاسم الا ما يوافق ما يؤمن به الزعيم الاوحد.

في ظل هذه الازمة ترى الفصائل الفلسطينية وبالأخص الفصائل الوطنية الاسلامية تحاول جاهدة مغازلة الطاغية ذو الانا المتضخمة والنرجسية المطلقة بحثّه على أخذ موقف شجاع تارة أو برفع سقف التوقعات منه للضغط عليه تارة أخرى.


وهنا أعتقد أن كل ذلك دون جدوى فهو لا يعيرهم اي اهتمام أمام تضخم الانا له ولحركة فتح فحتى بعض الفصائل التي تشارك فتح في المنظمة كالجبهة الشعبية تشعر بهذا التفرد والتغول وانها بعيدة عن مجريات القرار بفعل هذا المرض النفسي المستشري.


خلاصة القول أن الحالة المرضية التي تعاني منها قيادة السلطة والقيادة الفتحاوية ممثلة بعباس ومن حوله والتي اشرنا لها  سابقا اكثر من مرة هي أخطر ما توجهه القضية الفلسطينية اليوم فحالة التفرد والاقصاء والراي الواحد الذي يلغي الجميع سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة دون اي انجاز أمام الضياع المتسارع للقضية الوطنية وسيجعل من اصحاب هذا المرض كالبعير الذي يدور في الرحى دون توقف .


اللهم إلا اذا تخلصت قيادة السلطة و قيادة فتح من سلسلة العقد والامراض النفسية واستجمعت ما تبقى من ارادة مسلوبة في داخلها لتواجه هذا المنعطف الخطير بوحدة الصف وبالإجماع الوطني المطلوب وبأن تدرس الخطوات القادمة لمواجهة هذا المنعطف الخطير من الكل الفلسطيني بدون استثناء.