مشاهد من مسيرة فك الحصار باتجاه معبر 'صوفا' يوم الجمعة 30/5/2008
على امتداد الطريق المتفرع من شارع صلاح الدين باتجاه معبر 'صوفا' من الغرب إلى الشرق، بدأت جموع المحاصرين تغذ الطريق في هذه المنطقة الزراعية، وهم يحثون الخطى باتجاه المعبر 'الثكنة'، وتنتقل من بدايات المناطق لترى أرضاً زراعية عامرة بالأشجار التي تتكاتف أغصانها، في ظل توقعها لتعرضها لوحش بلدوزري غادر يجتث جذورها، فلكأنها تفضل القاعدة الشعبية'الموت مع الجماعة رحمة'، ولم يطل تفكيرنا كثيراً بهذا العناق الشجري، حتى تفهمنا تماماً سر الالتصاق السرمدي، وذلك عندما وصلنا إلى منطقة متقدمة أكثر، وقد تعانقت فيه الجذور فوق سطح الأرض بالتراب والركام، ويبدو أن أخبارها قد وصلت لجيرانها في مناطق التماس، وقد رثت الأحياء منها أخواتها الراحلات..
على يمين الطريق باتجاه الشرق مصانع مدمرة، بيوت مهدمة، مزارع مستباحة، وشمس الظهيرة تلهب الطريق المعبد إلا من بعض الحفر نتيجة دوران الآليات على صفحته، لتوقف سلسة من السراب التي تشخص أمام الناظرين، وهي تهمس بصوت خافت: الدبابات ألمع سطوعاً من سراب التعايش مع راكبيها!!
انتهي الكيلو متر الأول من أصل الثلاثة تقريباً، وبدأ تعرج الطريق يعطي منظراً رائعاً لقوافل البارقة وجوههم تحدياً وإصراراً، وهم يحملون الرايات والأعلام، ولكم أثار دهشتي إمكانية الحشد في هذه المنطقة التي تمثل برزخاً بين محافظتي الجنوب الأشم، وهي قليلة الأعداد من السكان، وبدأت الخطوات تضرب على الأرض أو تطرق على أبوابها، ويبدو أن رتابة المسيرة لم ترق لشباب تلهفوا الوصول سريعاً إلى مكان يمكنهم من خلاله أن يغيظوا المتخندقين وراء الحديد والنار، فبدأت هرولة تخرج من وسط المسيرة لتتقدمها، وهي لكواكب الشبان الثائرين، فزاد الوقود في تحرك مركبة المسيرة بأسرها، لتتجاوز ثلثي الطريق..
مع انعطافة أخذتني إلى جانب الطريق، تكحلت عيني بالدمع والحب والحنان وأنا أرى أمي التي أخرجونا منها قسراً وقهراً، لأراها حزينةً مقيدةً، تنتظرنا لكي نفك قيدها، وللحظات من بين قسمات الحزن بصرت فيها عناداً أرهق المحتل، سنوات طويلة وهو يحاول تطبيعها فطبعته هي على الاعتراف بصلابتها، وصرختُ إليها؛ حيث حال السياج والجنود من وصولي إليها لعلي ألقي بجسدي في حضنها، وأشتم رائحة القدس في ثناياها، فسبقتني بقولها: سلام عليكم نعمَ أبناء صابرين، سلام عليكم فلقد اقتربتم من موعد لقاءنا بثباتكم ودمائكم، ووصيتي لكم لا تنسوا إخوانكم في زوايا المعمورة اللاجئين، وحرامٌ عليَ الرضا لمن فكر في بتر قلبي أو يدي أو جزء مني، وقال: إنه ابني وقد اعترف بإسرائيل...
آه وآه ثم آه لمنظر امتد أمام الزاحفين حيث تطرب القلوب وتضطرب بإبصارها أشجارنا خلف الحدود المصطنعة تبكي فوقها الأطيار من سنوات طوال، هناك فلسطين.. هناك آباؤنا وأجدادنا..هناك الأقحوان والنسرين..هناك ذكرى صلاح دين..وذكر أمجاد حطين..ولو لم يكن للمسيرة من خير إلا أن يستذكر جيلنا الماضي التليد لكان ذلك فضلاً وزيادة.
اقتربنا أكثر من المعبر، وبدت الثكنات العسكرية والدبابات أمامنا، والشباب في المقدمة يشعلون إطارات السيارات، وإذا بقذيفة تنفجر بالقرب من مقدمة المسيرة، ورأينا قنابل أطلقها الجنود الذين لم نرهم وهي تثير سحابة من الدخان الأبيض، ولا نعتقد أنها غاز مسيل للدموع لأننا لم نشتم رائحته بالرغم من وصولنا لأقل من مائتي متر عن المعبر، وفجأة وإذا بنا نسمع صفير رصاص أطلق على الراجح من أسلحة كاتمة للصوت، وطبعاً لم تفعله إسرائيل من قبل الحياء لخشية أن يزعجنا صوت الرصاص، لكنها خشيت أن يظهر أمر الإطلاق أمام وسائل الإعلام التي غطت المسيرة بكل منابرها الإعلامية، فلعل الإطلاق الصامت يسهل على الناطق باسم الجيش الإسرائيلي حبك كذبه باتهامه أن المتظاهرين أصابوا أنفسهم، ولا دخل للجيش المجرم البريء فيما حدث!!
مع زخات الرصاص الصامت وصفيره المدوي من حولنا سقط أمامنا شاب ثم الثاني وتبعه الثالث، ولم أكن لأبصر الرابع والخامس غير أننا شاهدناهم والشباب يحملونهم صوب سيارات الإسعاف، التصرف الطبيعي أن يهرب الناس من فحيح الرصاص والقذائف، وأن تفر الجموع بسرعة الرصاص ذاته من حيث أتت!، ولكن خلافاً لكل ما توقعه الاحتلال، وهي شهادة أما الله والناس أجمعين، ما أن سقط المصابون وسمع القريبون منهم صفير الرصاص المكتوم الصوت، حتى انتفضت المسيرة واندفعت بعنف جنوني باتجاه المعبر، والكلمات وأنا أكتب هذه السطور تُهيج عنفوان عظمة شعبي في صدري، وذلك لما بدأ الشباب يرددون هذه الكلمات: ' قدموا قدموا(بالعامية)..الله أكبر ..الله أكبر'، ولولا قدر الله وحكمة الشيوخ، وقرار قيادة الحركة باكتفائها لهذه المرحلة باعتبار أنها قد أوصلت الرسالة من السير والمسير، لكان القدح في الميدان أورى من الزند.
يا الله ما أعظم شعبي، والأعظم ما صنع الإسلام به، بالصدور العارية، وفي المناطق المحروقة، وأمام الترسانة الاحتلالية، وهو يسخر منها؛ بل يحتقرها.. كم تمنيت لو عرفت وقتها شعور الجندي الذي يرانا بالمنظار من دبابته؟!، ماذا يمكن أن يحمل لزملائه عن مجانين غزة؟، كيف لو ذهب به الشطط في التفكير وتصور أن هؤلاء يمكن لهم أن يقودوا يوماً دبابة كدبابته، أو يحملوا بندقية كبندقيته، أو يمتطوا طائرة من فوقه؟! كيف لو أنهم...؟ بل كيف لو تمكن هذا الجندي من الاسترسال في التفكير كيف سيكون أمره؟
ولكأن مجرد التفكير قد يسكت قلوبهم طويلاً، فتحقق مسيرة سلمية أهدافاً لا تقل عن معركة نارية.. لكنني أيقنت في نفسي سراً أبوح فيه ولا يقلقني الأمر كثيراً، ووجدتني أردد هذا السر الجهري بلسان قلبي: ويل لك يا إسرائيل..والويل قليل.

