الأحد 04 يناير 2026 الساعة 09:36 ص

مقالات وآراء

اللِّصّ والحرامي

حجم الخط
أيمن دلول

يرتبطُ مصطلح “اللص” أو “الحرامي” في عقليتنا العربية بذلك الشخص الذي يقوم بـ” عملية سطوٍ على جهة أخرى فيسرق منها مالاً أو سلعةً، قبل أن يُولي هارباً أو يتوارى عن أنظار الناس”، وهذا المعنى في عقولنا جعلنا نحدد بصيرتنا ونجعلها قاصرةً على جهةٍ قليلة العدد في مجتمعاتنا، وبعض القليل منها ما يدفعه للسرقة ربما حالة الفقر التي يعيشها نتيجة اللصوص الذين ينتشرون بيننا بالآلاف دون أن نتفكر قليلاً في سرقاتهم التي تنخرُ مجتمعاتنا من الداخل دون امتلاكنا للجرأة المُطالبة بمحاسبتهم ووقفهم عند حدودهم.12

 

بل إن البعض يجعل شريحة اللصوص والحرامية مقتصرة فقط على الحكام والمسئولين في بلادنا العربية والإسلامية، فهم- باعتقاده- يسيطرون على آبار النفط وكنوز البلاد ويتحكمون في آليات توزيعها على البشر، الأمر الذي يؤدي إلى خلق شريحة من الفقراء بين صفوفنا لاختلال ميزان التوزيع للثروات والذي جعله الله مناسباً لكل مخلوقاته، بينما جاء البشرُ “من الساسة والمسئولين” فأحدثوا خللاً في مقاديره أدى لانتشار الجوعى في بلادنا، الذين حينما تصارعت أمعاؤهم جوعاً بحثوا عما يسد رمقها وإن كان بالسرقة. صحيحٌ أن الزعماء الكثير منهم لصوص وبمقادير كثيرة في بلادهم، لكنهم ليسوا وحدهم من يقوم بهذه الأدوار القذرة.

 

حينما تتصدر الدراسات المختلفة نتائجها بالحديث عن تدني انتاجية الموظف العامل في بلادنا العربية وتُشير لها بالبنان، فعلينا أن نُدرك بأننا لصوص بمستويات مختلفة، بدءا من الزعيم والرئيس، مرورا بالوزراء والمدراء العامون وغيرهم وصولاً إلى الموظف العادي، وإلا فكيف يمكن أن نبرر نتيجة إحدى الدراسات والتي خلصت إلى أنَّ معدل إنتاجية العامل العربي هو من أقل المعدلات في العالم، وأن ساعات العمل الحقيقية للعامل أو الموظف العربي خلال الدوام اليومي لا تزيد على 18 دقيقة إلى 25 دقيقة!!.

 

وبحسب الدراسة التي أعدها اتحاد تنمية الموارد البشرية في مصر، فإنّ متوسط إنتاج العامل المصري مثلا 30 دقيقة في اليوم، والجزائري 22 دقيقة، والسوداني 20 دقيقة. هذا يعني باختصار أن غالبية الوقت الذي يقضيه الموظف في مؤسساتنا العربية يتقاضى أجره دون أن يقدم شيئاً لبلده أو وطنه، بل إنه يتقاضى غالبية راتبه دون وجه حق، ولعل هذا فقط ما يفسر ما نحنُ فيه من حالة تخلف التصقت بنا وقد ألفناها، لدرجةٍ تجعلنا نُحارب أي محاولةٍ للخلاص منها.

 

وكي أكون أكثر توضيحاً في حديثي عن “اللصوص” و “الحرامية” في أوطاننا المنكوبة، فإني أذكر بعضاً من نماذجها كالتالي:

 

1- المُعلم في مدرسته الذي يُضيِع ثلثي الحصة المدرسة في الدردشة مع طلبته واللهو دون إعطائهم حقهم من التعليم حرامي ولص.

 

2- الطبيب الذي يترك المرضى في انتظاره داخل أروقة المستشفيات بينما يقضي أكثر من ساعتين في الصلاة وتناول كوب من القهوة ثُم يطلب من المرضى مراجعته في عيادته الخاصة لص وحرامي.

 

3- الآذن المُكلف بنظافة المسجد ثم تجد المصلين يشتكون من شدة رائحة حمامات المسجد القذرة والتي يدركونها من منتصف المسجد لعدم نظافتها، ثم ينتظر نهاية الشهر لتقاضي راتبه، حرامي ولص وسارق أيضا.

 

4- الذي يعمل في جمع التبرعات للمنكوبين وأصحاب الحاجة ثم يرفض حضور اجتماعات مجالس الإدارة إلا على فطورٍ من الأسماك الشهية وأن يكون الغداء الخراف المحشية المشوية، فهو سارق ولص.

 

5- المسئول الذي يقبلُ على نفسه استلام سيارة بآلاف الدولارات وشقة كذلك ومرافقين وخدم وحشم بدعوى “البروتكول والبريستيج” بينما أهل وطنه وشعبه مشتتين ومنكوبين في شتى بقاع الأرض، فهو لص وسارق كذلك.

 

6- الإعلامي والصحفي الذي يستمرئ على نفسه تزوير الحقائق وترويج الشائعات في مجتمعه وتعزيز مكانة عدوه محتل بلاده، فهو لص وحرامي وسارق وخائن أيضا.

 

نماذج اللصوص والسارقين في أوطاننا وبلادنا كثيرة ومتعددة، غير أن عقولنا التي أصابها العديد من اللوثات الفكرية التي استمرأت سلوكيات خاطئة لنا، جعلتنا نحصر السرقة في شرائح بسيطة تسرق الأرنب فنجلدها ونُحاكمها، بينما جعلتنا نغض الطرف “قصداً أو جهلاً” عن شرائح كبيرة باتت لا تقبل إلا بسرقة الجمل.