الثلاثاء 13 يناير 2026 الساعة 11:32 ص

مقالات وآراء

عزيزة (5/5)

حجم الخط
أيمن دلول

في هذه اللحظات تذكر “مرسي” رؤيته لمحمد في منامه وقد طالبه بعدم التدخل، فرد بسرعة وبكل برودة أعصاب على استغاثة “شلومو”: أنا آسف لن أتدخل ما دمت كسرت كلمتي. بإمكانك وقف صواريخ أبناء “عزيزة” بنفسك..

 

أطرق “شلومو” برأسه وجلس بهدوء.. أرجع رأسه للوراء ليسنده على أريكته، وما إن استقر قليلاً حتى دوى انفجار آخر في المكان.. نهض مفزوعاً من مكانه وأخذ يضرب يديه الكف في الآخر: كيف ارتكبتُ هذه الحماقة وقتلت “أبو محمد”؟؟ أين كان عقلي حينها؟؟.1

 

لحظات وقطع تفكيره رنين جرس هاتفه، رفع سماعة الهاتف ليجد على الجانب الآخر “غانتس” رئيس هيئة أركانه وعلى الفور سأله:

 

أين الانفجار هذه المرة يا “غانتس”؟؟، شهق “غانتس” هواءً عميقا، قبل أن يقول: لقد أصاب صاروخ قبل قليل مبنى البرلمان..

 

أغلق “غانتس” سماعة الهاتف غاضباً: وماذا بعد..

 

وبعد سبعة أيام من محاولات اتصاله بـ”مرسي” الذي رفض الرد عليه طوال تلك الفترة، وبينما كانت الساعة تشير نحو العاشرة مساء رفع “مرسي” سماعة هاتفه ليرد على اتصال “شلومو”، وبدأه بقوله: ماذا تُريد؟؟، ليجيبه “شلومو” الذي كان مرعوباً مباشرة: اللي بدو إياه “محمد” وأبناء “عزيزة” أنا جاهز أعمله..

 

ضحك “مرسي” واندفع قائلاً: تخرج وتعتذر وتطلب وقف إطلاق النار وتسحب جنودك من البحر ومن جوار بيت “عزيزة” وتنسحب إلى المكان الذي كنت فيه قبل سبعة أعوام.. قطعه “شلومو” مُسرعاً، وقال: لكن هذه مطالب كثيرة..

 

رد عليه “مرسي”: كما تشاء، وبإمكانك إيجاد من يتوسط لك عند “محمد”، وقبل أن يغلق “مرسي” هاتفه استوقفه “شلومو”: لا.. لا.. كما تريدون..

 

اختتم “مرسي” اتصاله مع “شلومو” مُطلقا عبارات التحذير له: لذلك تخرج الليلة وتعلن الالتزام بهذه الشروط..

 

وبينما كانت هذه الاتصالات تجري في الخفاء، تسمرت “عزيزة” حول التلفاز تتابع ما يجري لأبنائها وأحفادها، وفجأة توقف البث وبدأ ينقل صور “شلومو”، نظرت إليه “عزيزة” باستغراب: الله يستر، ماذا يريد هذا المجرم..

 

قطع تفكيرها مباشرة كلمات “شلومو”، حيث بدأ يعتذر لأبناء “عزيزة” وأنه أخطأ بحقهم وقتل قائدهم الكبير “أبو محمد” وأعلن بينما أخفض رأسه صوب الأرض: سنتوقف عن إطلاق النار الساعة الثانية عشر من هذه الليلة.. وما إن أكمل “شلومو” كلماته حتى بدأ أبناء “عزيزة” يصدحون بأعلى صوتهم: الله أكبر ولله الحمد.. جاء الحق وزهق الباطل..

 

وما إن أشارت عقارب الساعة صوب الساعة الثانية عشر من تلك الليلة حتى خرج أبناء “عزيزة” إلى الشوارع في سياراتهم وعلى أرجلهم، وأطلقوا الألعاب النارية في الهواء.. وبينما كان “أبو باسل” يلبس قبعته الحمراء قابله “أبو فتحي” الذي حمل علما أصفر في يده اليسرى.. دموع الفرحة لم تترك فيهم أحداً إلا انحدرت على وجهه، وبينما هم كذلك أقبل عليهم “محمد” يُزين جبهته بعصبة خضراء تزينها عبارة التوحيد والابتسامة تعلو وجهه، فأقبلوا عليه واحتضنوه، وأخذوا يتبادلون التهاني فيما بينهم.. فقد علموا بأنه من استهدف (تل أبيب) وأجبر “شلومو” على الاستسلام..

 

أما “عزيزة” فأخذت تترنح يمينا ويسارا وزينت وجهها بألوانها المحببة إليها الأخضر والأصفر والأحمر والأبيض.. التف من حولها أبناء “أبو محمد” محمد وباقي أبنائها “أبو فتحي” و”أبو باسل” و”أبو فؤاد” وغيرهم.. احتضنتهم جميعاً، طالبةً منهم الجلوس في جوارها، فبادرها “محمد” بالكلام: لقد أخبرني جارنا “مرسي” بصلاتك ودعائك لنا ودموعك في تلك الليلة وأنتِ تعيشين القلق علينا، وحينها أقسمتُ أن تبقي عزيزةً رغم الدم والقتل في إخواني وأبناء أعمامي.. وها أنا قد بررت بقسمي بفضل الله تعالى..

 

ابتسمت “عزيزة” ومسحت على وجه “محمد” قبل أن تضع يديها على يمين ويسار وجهه وتتحدث إليه: صدق من قال.. اللي خلف ما مات.. الحمد لله الذي أحياني حتى أرى هذا النصر بعيوني..

 

نهض “محمد” من مكانه، وأطلق عددا من الجمل لم يفهمها الحاضرين، لكن “أبو فتحي” تقدم صوبه وسأله عما يقول، فرد “محمد” عليه بلغة الواثق بعد أن أدار عيونه صوب الشرق: انتهت هذه الجولة بفضل الله باستسلام “شلومو”.. يجب علينا التجهيز للجولة القادمة.. القدس لا تزال ذليلةً ويجب أن تعود لتكون عزيزةً..

 

ضحكوا جميعاً من كلام “محمد” وناموا ليلتهم وقد تعاهدوا للعمل في سبيل تحرير القدس..

 

.. الحلقة الخامسة والأخيرة..