الثلاثاء 13 يناير 2026 الساعة 09:43 ص

مقالات وآراء

عزيزة (3-5)

حجم الخط
أيمن دلول

فجأة قطع صوت مكبر الصوت دوي سيارات الإسعاف التي وصلت إلى المستشفى حيث يتواجد “محمد” وأبناء أعمامه، وبدون وعي أخذوا يتسابقون لمعرفة ما جرى.. انتهوا جميعا بجوار سيارة الإسعاف، وقف “محمد” شاخصا بصره بعدما لمح ما تحمله سيارة الإسعاف، وصدح بأعلى صوته: الله أكبر.. ما ذنب هذه الطفلة التي لم تتجاوز عشرة أعوام حتى يُقطع رأسها عن جسدها صواريخ “شلومو”.. الله أكبر.. حي على الجهاد.. أقسم بالله سيندم على هذه الجرائم..1

 

ترك “محمد” والده في المستشفى مسجى حيث يحيط به الآلاف من جيرانه وأحبابه، وشلالات من الدموع لا تزال تنحدر من عيونهم التي بات يميل لونها ناحية الاحمرار.. وفي المكان الذي أعده والده على مدار سنوات طويلة بصحبة أبنائه، اتجه “محمد”.. مرت عدة ساعات.. أسدل الليل بستاره فلم تعد “عزيزة” ترى شيئاً، غير أنه لم يفارق سمعها في تلك الليلة دوي طائرات “شلومو” التي لم تترك ناحية تعلو بيتها إلا حلقت فيها..

 

بدأت الخواطر تزاحم تفكير “عزيزة” مرةً أخرى. صحيح أن طائرات “شلومو” قتلت ابنها الأكبر “أبو محمد”، لكن تواصل تحليقها يعني أن تلك الطائرات ستواصل القصف والقتل لأبنائها وأهلها التي تعلم جيداً بأنهم سينتقمون لقتل والدهم حتى وإن حلقت كل طائرات الدنيا..

 

لم تجد “عزيزة” بُداً من الدعاء لأبنائها في تلك الليلة شديدة الظلمة بالتوفيق والحفظ من مكر “شلومو” أو “ابن سلول” الذي جنده عميلاً له يرصد تحركات أبناء “عزيزة”.

 

قامت وقد تثاقلت مشيتها كثيراً.. أمسكت بإبريق الماء وأيديها ترتجفُ.. سكبت الماء على يديها الواحدة تلو الأخرى، ولم يتوقف لسانها عن التسبيح والتهليل، وبعد لحظات قليلة أنهت “عزيزة” وضوئها وقد انتصف الليل.. مدت سجادتها على الأرض.. رفعت يديها صوب السماء وكلها أمل بالتوفيق لأبنائها، ولم يسمع الجيران منها في تلك الليلة إلا الإكثار من قولها: الله أكبر..

 

وبينما هي على هذه الحالة، مر بجوار بيتها “مُرسي”.. استمع لصوتها بينما كانت رافعة يديها إلى السماء باكيةً: يا رب، يا ذا الجلال والإكرام.. احفظني واحفظ أبنائي من كل سوء.. يا رب انتقم من “شلومو” وأبنائه..

 

انحدرت الدموع على وجه “مُرسي” بينما كان يكتفي بقوله: آمين.. آمين.

 

مضى “مُرسي” واتجه صوب بيته وأمضى ليلته يقلبُ التلفاز على محطات الأخبار عله يجدُ خبرا تتسلل من خلاله الطمأنينة لصدره، فمنذ قتل “شلومو” لجاره “أبو محمد” لم يصله أي معلومات حول مصير أبناء جاره العزيز.. لم يصله إلا أخبار تواصل القتل والقصف الذي أزهق أرواح العشرات من أبناء المدينة التي كان يقطن فيها “أبو محمد”..

 

الساعة تلو الأخرى مضت في تلك الليلة دون أن يأتي خبر سعيد.. غالب النُعاس عيون “مرسي” ولم يقوَ أكثر من ذلك على استمرار الاستيقاظ..

 

أغلقت جفون “مرسي” أبوابها بهدوء، وخلال لحظات جاءه “محمد” يسعى باطمئنان.. انتفض “مُرسي” خوفاً عليه وصاح فيه: يا “محمد” الله يرضى عنك انتبه جيدا للطائرات.. ألا تسمع صوتها الغاضب وهي تبحثُ عنك وتسعى لقتلك كما قتلت أبيك..

 

وبينما كان ينتفض خشيةً على “محمد” أشار إلى الناحية الأخرى: اجلس أسفل تلك الشجرة لعلها تحجبك عن نظر الطيران.. فنحن نحتاجك بيننا..

.. يتبع في الحلقة الرابعة بإذن الله..