لا شك أن قرار حركة “حماس” بالموافقة على خوض الانتخابات البلدية التي
أعلنت عن تنفيذها حكومة التوافق الوطني وبشكل مُنفرد، قد جاء مفاجئاً لكافة الأطراف
الفصائلية والسلطة الفلسطينية وحكومة التوافق، بل والكثير من أبناء حركة “حماس” الذين
عاشوا فترة ليس بالقصيرة على وقع حالة التشويه الإعلامي التي يقوم بها المناوئون للحركة
على مدار الساعة، ولا شك بأن ارتدادات الاستجابة الحمساوية على خوض تلك الانتخابات
لا تزال متواصلة، وقد تدفع الأطراف التي اتخذت قرار اجراء الانتخابات لسلوك طرق مختلفة
للتملص، بعدما أفلتت حركة “حماس” من “الفخ الأول في هذه الجولة” والذي نصبوه لها بذكاء
شديد.1
كان من بين الذين كتبوا “ومن حقه” عن موافقة “حماس” الكاتب والمحلل السياسي
الفلسطيني أكرم عطا الله، وللحق فقد أبدع في استخدام الكلمات واستحضار الألفاظ بشكل
ذكي للتعبير عما يجول في خاطره، لكنه وفي مقاله الذي حمل عنوان “ذكاء حماس .. استدعاء
فتح لحكم بلديات غزة!” فقد خانته الألفاظ في معرفة الأسباب التي دفعت الحركة الإسلامية
للموافقة على خوض تلك الانتخابات وذهب لمقاصد أبعد ما تكون عن توجهات الحركة المعروفة،
وربما ذلك يعود “في حالة إحسان الظن لما ذهب له”، نتيجة بُعده عن طاولة التفكير الداخلية
لحركة “حماس”. وحتى تتضح الأمور بشكل جلي فيمكن حصر الإشكاليات التي وقع فيها الكاتب
“عطا الله” في التالي:
1- إن قرار إجراء الانتخابات لم يكن من حركة “حماس” وإنما من حكومة
التوافق، بينما تلقته الحركة كما تلقاه الشارع الفلسطيني، وبالتالي فالرفض من الحركة
لخوض غمار هذه الانتخابات كان سينقلها لحلقة جديدة من الاتهامات بتعطيل الحياة الديمقراطية
الفلسطينية “وتقع بذلك في الفخ الثاني المجهز لذلك بعناية”، وقد يكون الكُتاب والمحللين
أحد الأطراف المهاجمة للحركة، فلذلك لجأت الحركة للموافقة لتثبت للجميع بأنها قادرة
على الخروج من الأزمات بكل حنكة ومهارة عالية.
2- لم تكن موافقة “حماس” للمشاركة في الانتخابات كما قلت سيدي الكريم
“بهدف عدم المشاركة في حكم البلديات، أي بمعنى التراجع عن عبء أصبح جزء من هموم الحكم
بقطاع غزة”، وإلا فبماذا نحلل دفع الحركة بالمهنيين والخبراء لدعمهم في تلك الانتخابات.
إنما كانت الموافقة لتكريس نظرية الشراكة وعدم ايثار المصالح الشخصية على مصالح الشعب
“وهي النظرية التي لم تسعى لها السلطة الفلسطينية وحركة فتح منذ سنوات وتملصت منها
أكثر من مرة”، والجميع يُدرك بأن دخول حركة “حماس” حلبة المنافسة على هذه الانتخابات
فيه مخاطر كبيرة عليها وشعبيتها، لكنها فضلت مصلحة الشعب على مصلحتها الشخصية.
3- في حديثك سيدي الكريم ذكرت بأن حركة “حماس” ستقوم بـ” استدعاء آخرين
قادرين على تحصيل الأموال لإنقاذ هذه البلديات وقد يصل الأمر بالمساعدة بتفويز حركة
فتح في هذه الانتخابات وارغامها على المشاركة في تحمل العبء القائم”. وللوهلة الأولى
من يسمع الكلام قد يقتنع بأن البلديات في عهد حركة “حماس” لم تقدم أي شيء للمواطنين،
وهذا خلاف للواقع بالكامل، فالحركة ورغم الحصار وتضييق الخناق إلا أنها أدارت البلديات
بكل جدارة ومهنية وأقامت مشاريع كبيرة يفخر بها المواطن “وإن لم تكن على المستوى المطلوب
وشابها العديد من الإشكاليات التي هي طبيعة من يعمل”، لكن مقارنة بسيطة بين بلديات
“حماس” المحاصرة وبلديات حركة “فتح” التي فُتحت لها شرايين الأموال على مدار الساعة
سيُخبرك عن أثر هذه وأفعال تلك.
4- في حديثك تجزم كاتبنا الكريم بأن فوز حركة “فتح” سيكون محققاً في
هذه الانتخابات، وأنا أرد على قولك هذا بأسئلة تدور في خلد كل فلسطيني: من أين أتاك
اليقين بفوز الحركة وهي التي لا تزال في شجار مستمر ووساطات للاتفاق على خوض الانتخابات
بقائمة واحدة وليست قوائم شتى؟ ثم ما الذي سيدفع المواطن الفلسطيني لتجريب قوائم تتبع
لحركة في انتخابات البلديات بينما لا تنجح قوائمها في إدارة مجالس طلبة في الجامعات
كما أنه جربها في بلديات الضفة الغربية؟ أما بخصوص دعم الآخرين، فأنت تجزم بأن حركة
“حماس” لن تدعم شخصيات من الفصائل الأخرى، لكن لماذا لا تقول بأن الفصائل الأخرى هي
التي لا ترغب أن تركب مع حركة “حماس” في سفينة الوطن كي تواجه الأمواج التي تُحيط بها
من كل جانب وتنال بذلك شرف المعارضة النزيهة كما حدث في إحدى الدول التي بتنا نفخر
بتجربتها هذه الأيام؟.
5- بخصوص أن حركة “حماس” ستكون المستفيدة من فوز حركة “فتح” كما تتحدث
فهذا قمة المجافاة للواقع، بل إن تداعيات فوز “فتح” في تلك الانتخابات ستكون مخاطرها
أعظم كثيراً على القضية الفلسطينية في حال فوز حركة “حماس”، وهذا بكل تأكيد إن حدث
في قطاع غزة، وبالإمكان في هذا الإطار سيدي الكاتب الكريم رفع سماعة الهاتف وسؤال بعض
الأصدقاء في رام الله ومحاولة معرفة السيناريو الذي تجهزه حركة “فتح” لمواطني غزة في
حال فوزها بالانتخابات “الفخ الثالث لحركة حماس والشعب الفلسطيني”، لكني أتمنى حين
التعرف عليه كتابة بعضا من خيوطه للمواطن الفلسطيني الذي بات يتمنى أن يستيقظ ذات صباح
بدون مؤامرات خيانة يجري تدبيرها بحقه هنا وهناك.
6- تخلل مقالك أخي الكريم التركيز كثيراً على أزمة تعيشها حركة “حماس”
نتيجة الحصار والتضييق عليها، وهذا فيه محاولة للخروج من الحالة الفلسطينية بذكاء وترويج
بأن سبب الحصار هو وجود حركة “حماس”، وقد نجحت بصدق في اختيار الألفاظ لتمرير ما ترمي
إليه، لكن وللأمانة فقد غاب أو أنك غيبت بقصد الحقائق التي تقول بأن أي شعب تحت الاحتلال
ويناضل لنيل حقوقه فحتماً سيتعرض لما نتعرض له بل وأكثر، وإلا فمن غير المقبول أن تكون
الدنيا مفتوحٌ لنا أبوابها من الاحتلال الإسرائيلي بينما نطالبه بنيل حقوقنا، فهذه
معادلة لا تستوي، وفي تاريخ الشعوب الكثير من العبر يمكن الاستدلال بها عزيزي الكاتب.
كان بإمكان حركة “حماس” التنصل من الموافقة على إجراء الانتخابات البلدية
الفلسطينية بكل ذكاء ولها من المبررات “الإعلامية” لذلك الشيء الكثير، لكنها أبدت الموافقة
مباشرة بعد تلقي ضمانات من لجنة الانتخابات تضمن نزاهة الانتخابات البلدية، وإن كانت
الأحداث على الأرض وبخاصة في الضفة الغربية المحتلة لا تُبشر بخير “حتى قبل الانتخابات
والدعاية الانتخابية” من خلال التهديد والترويع لبعض المرشحين المستقلين وإطلاق النار
على ممتلكاتهم في مشهد عربدةٍ تُجيد حركة “فتح” استخدامه خلال الانتخابات حينما تهدد
مصالحها، أو من خلال حملات الاستدعاء والتهديد لمناصري حركة “حماس” خلال عمليات التسجيل
للانتخابات، ولكن يُحسب لحركة “حماس” أنها قررت الولوج في هذا النفق رغم إدراكها بالمخاطر
عليها، وآثرت في ذلك إمكانية إحداث مصلحة لأبناء شعبها على مخاطر قد تهددها، وهي خطوة
ينبغي أن يُسجلها المؤرخون الشرفاء بأحرف من نور في الأرشيف الفلسطيني.


