"اللي يجرب المجرب عقله مخرب" مثل شعبي نستحضره قبل الإقدام على تكرار أي تجربة فاشلة في حياتنا الاجتماعية أو السياسية أو غيرهما، يردده بعض المتشائمين أو الحذرين ردًّا على الدعوة لإجراء انتخابات فلسطينية عامة، لأن تجربتنا مع الانتخابات كانت قاسية جدًّا ابتداءً برفض فصائل منظمة التحرير نتائجها، مرورًا باقتتال داخلي مؤلم، وانتهاء بانقسام لم ينته بعد مع مرور قرابة عشر سنوات.
واقع انتخابات 2006م مختلف عن واقعها اليوم، ففي السابق لم يكن هناك من يتصور أن يحظى برنامج المقاومة بأغلب أصوات الناخبين في انتخابات الهيئات والمجالس المحلية أو انتخابات المجلس التشريعي، وقد ظنوا أن الانتخابات ستكون فرصة لتأكيد شرعية منظمة التحرير والخيار السلمي وحصار المقاومة المسلحة باسم "الديمقراطية"، الآن الأطراف جميعًا تعلم أن انتصار برنامج المقاومة ممكن بل هو الاحتمال الأقوى، ولذلك تؤجل الانتخابات للوصول إلى نظام انتخابي يقلل من خسائر التيار الوطني قدر الإمكان، أو الوصول إلى صيغة وطنية توافقية تنقذ بعضًا من شبح سيطرة التيار الإسلامي.
عام 2006م كانوا يظنون أن الخيارات لإقصاء حماس والمقاومة الفلسطينية متعددة، وأولها الاقصاء بوساطة صناديق الاقتراع، ولكن الخيار فشل حين فازت حماس بالأغلبية، ثم كانت الخيارات الأخرى، ومنها الحصار العربي الإسرائيلي، والحروب المتكررة على قطاع غزة، والكثير من العقبات الداخلية المفتعلة، ولكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع، وكانت النتيجة أن حماس فرضت سيطرة تامة على قطاع غزة، وجعلته حصنًا حصينًا لتطوير المقاومة وبناء قوة فلسطينية قادرة على ردع العدو ورد اعتداءاته في مرحلة أولى، وقادرة على فرض شروطها في مرحلة ثانية حتى الوصول إلى مرحلة تكون فيها المقاومة قادرة على المبادرة والتحرير، ولهذا كله لا يستطيع الاحتلال ترك حماس تستفرد بقطاع غزة إلى الابد، لذا هو مجبر على رفع الحصار عن غزة، ومجبر على ترك حماس تنخرط في السياسية الفلسطينية حتى الدولية، لظنه أن ذلك التوجه سيكبح طموح المقاومة الفلسطينية إلى تطوير ذاتها.
لذلك أقول: إن الانتخابات القادمة لن تكون تكرارًا لتجربة فاشلة مطلقًا، ومثل: "اللي يجرب المجرب عقله مخرب" لا ينطبق على الانتخابات، وإنما ينطبق على تجارب منيت بفشل ذريع، مثل: حصار غزة، ومحاولة تحطيم المقاومة، أو تركيع الشعب الفلسطيني، أو افتعال عقبات لعرقلة تقدم المقاومة الفلسطينية تجاه تحقيق هدفها المقدس، وهو دحر الاحتلال وتحرير فلسطين.

