الأحد 04 يناير 2026 الساعة 05:56 ص

مقالات وآراء

معذرةً أستاذي: فلسطين لا تُريدكم

حجم الخط
أيمن دلول

حينما كنتُ طالباً قابلتُ العديد من المعلمين الذين نهلت من نبع علومهم، فبجهودهم وصلتُ إلى هذه المرحلة المهمة في حياتي المهنية والشخصية، بل إني أتذكرُ جيداً أستاذي في المرحلة الثانوية عثمان الوصيفي لمادة التاريخ، حينما حدثني ذات مرة عن مراحله المختلفة بين ربوع هذه المهنة، حيث تنقل في العديد من بقاع العرب معلماً لشعوب في دول الخليج كانوا رعاة أغنام في الصحراء، فتحولوا من عيشة الخيام لحياة القصور، أما هو ففضل العودة إلى وطنه فلسطين ليُكمل مسيرة مهنته معلماً لأبناء شعبه وإن كان المقابل المادي والمعنوي أقل. وفي العام 2016م أقول له ولغيره توقف قليلاً ومعذرةً لكم فيبدو أن وطني فلسطين لا يتسع لكم ولا يُريدكم وبات المسئولين فيه يطبقون عليكم نداءات ومطالبات قوم لوط حينما أرادوا تطهير بلادهم من نفر أبلغوهم بسُبل السعادة فرفضوها وحاربوا أهلها ” فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ”.2

 

للأسف يا أستاذي إن مكانكم بات في السجون والمعتقلات يوم أن طالبتم بأدنى حقوقكم، وداخلها يتم لطمُ وجوهكم من عناصر أمنية جهلة لا يعلمون مكانتكم، أما عبر وسائل الإعلام المتحدثة باسم السلطة في بلادي، فتخرج المذيعة في تلفزيون فلسطين أميرة حنانيا لتقول بأنكم “أصبتم الطلبة بحالة نفسية”!!. هذا في الضفة الغربية، أم في قطاع غزة فالمعلم منذ سنوات لا يتلقى إلا الفتات وحكومته لا تعترف به أصلا، ثم يتحدثون عن التنمية أو النهضة!!.

 

وأنا أتابع بألم وحسرة شديدين واقع الحال الذي وصلنا إليه أتذكرُ جيداً حالة النشوة التي كانت تنتاب المعلمين حينما كُنا نحتفي بهم وفقط بكلمات قليلة عبر الإذاعة المدرسية في “يوم المعلم الفلسطيني”، بل كُنا نستدل بفقرات إذاعتنا بأبيات من أشعار أمير الشعراء أحمد شوقي، حيث يقول:

 

قُــمْ لـلمعلّمِ وَفِّـهِ الـتبجيلا *** كـادَ الـمعلّمُ أن يـكونَ رسولا

 

لأعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي *** يـبني ويـنشئُ أنـفساً وعقولا؟

 

حقيقةً، فإن إعادة قراءتي لهذه الأبيات أدمعت عيوني، وجعلتني أفكر في أسباب ما نحنُ فيه من تدمير لكل مقومات النهضة داخل مجتمعنا الفلسطيني والمسئول عن ذلك، وبخاصة في ظل غياب أي موارد غير البشر للاستثمار فيها، فالمجتمعات الراقية وفي قراءة متأنية لتاريخها نجد بأن الاهتمام بالإنسان من خلال التعليم هو ما أوصلها لمراتب المتصدرين للريادة والقيادة على مر التاريخ، وللتدليل على ما أقول أذكر الأمثلة التالية فقط:

 

هارون الرشد أحد خلفاء بني العباس اتخذ الكسائي إمام النحاة في الكوفة مربيا ومعلما لابنيه الأمين والمأمون لإدراكه بأهمية العلم والتعليم، وقد جلس الكسائي يوما في حضرة “الرشيد” فسأله الرشيد: من أفضل الناس يا كسائي ؟، فقال الكسائي: أو غيرك يستحق الفضل يا أمير المؤمنين ، فقال الخليفة نعم: إن أفضل الناس من يتسابق الأميران إلى إلباسه خفيه، وكان الأمين والمأمون تقديرا للكسائي يتسابقان على إلباسه خفيه عندما يهم بالخروج من عندهما. هكذا كان يفعل الملوك مع المعلمين وكان مُلكهم لا تغيبُ عنه الشمس، أما في بلادنا فملكنا لا داعي لإعطاء مزيد تفاصيل عنه.

في الكثير من المواقف نتحدث عن النهضة والتطور في اليابان، غير أنه لا يخطر على بالنا البحث عن السبب، وإن عرفناه أعمينا أبصارنا عن القيام بمثله، ولا أريد في هذا المقام إلا ذكر نموذجين في هذا البلد فقط، فحينما سئل الإمبراطور الياباني ذات مرة، حول هذه المسألة، قال: “إن دولتنا تقدّمت، في هذا الوقت القصير؛ لأننا بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلّمنا من أخطائهم، وأعطينا المعلّم حصانة الدبلوماسي، وراتب الوزير”. بل إنه يكفي للدلالة على مكانة المعلم في ذلك البلد أن مرتبته على السلم المجتمعي وبحسب البرفيسور كيشي أوجاوا تأتي بعد الإمبراطور مباشرة، والثقافة الكونفوشية.

أما في سنغافورة التي نُبدع في الحديث عن مزاحمتها لصفوف الدول المتقدمة، فالسبب الأول فيها أنها منحت شريحة المعلمين فيها اهتماماً بالغاً، ويكفي الإشارة فيه إلى إقرار الحكومة، ما يعرف بمشروع “جودة المعلّم”، والذي يعطي للمعلّم مزيدا من الهيبة والاحترام، ويقضي تمامــًا على الصورة النمطيّة، التي ظلت سائدة في المجتمع، حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي.

وفي الصين، عدا التكريم المادي من خلال الرفع المستمر للعلاوات والرواتب والمنح وغيرها، فالاهتمام المعنوي له حكاية أخرى، ويكفي الإشارة إلى أن من يتخرج حاملاً شهادة “معلم” من الجامعة يمشي متبختراً مثل الطاووس، فعليه تُطلق الأمثال الشعبية ومنه يؤخذ الإلهام للجيل، وفي أمثالهم الشعبية يقولون “المعلم مهندس الروح”، وهل بعد هذا التكريم رفعٌ لقيمة المعلم، ثم نسأل لماذا نهضت وتقدمت ونافست الصين على قيادة العالم.

صحيحٌ أيها السادة أن هذه الحوافز في هذه البلاد التي يتم تقديمها للمعلم تعتمد على تطبيق معايير جودة شاملة وصعبة لاختيار من يشغل هذه المهنة في تلك البلاد قبل أن يشعر المعلم بمكانته، وهو أمرٌ لا بُد منه لإصلاح المسيرة التعليمية، غير أنه وفي ذات الوقت لا يمكن بأي حال من الأحوال معاملة المعلم بهذه النذالة والحقارة التي يقوم بها عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية لدرجة ضربه واعتقاله وتهديده في معاشه يوم أن طالب بجزء بسيط من حقه، وربما من قام بالاعتداء عليه لا يملك الشهادة الابتدائية.

 

إن النهضة المجتمعية التي نُريدها “هذا إن أردناها فعلاً” تعتمد على أسس مختلفة تبدأ بتطوير العمل التعليمي وتعزيز مكانة المعلم في المجتمع، أما من يقوم بلطم مصابيح الدُجى في بلادنا فيجب أن يُعلقوا في الساحات العامة ويتم تعليمهم أصول الأدب والتعامل مع “ورثة الأنبياء” إن كانوا لا يمتلكون التربية المناسبة تجاه هذه الشريحة المهمة في مجتمعنا الفلسطيني.